Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

واحة تاركا تحت الحصار: حين يزحف الإسمنت على آخر رئة خضراء في تيزنيت

متابعة فاعل جمعوي بيئي

تيزنيت، وسط المغرب في قلب مدينة تنمو على إيقاع متسارع، تقف واحة تاركا أوسنكار كخط دفاع أخير بين التوازن البيئي وزحف العمران. هذه الواحة الحضرية، التي طالما شكلت ملاذاً طبيعياً ومصدراً للعيش لمئات الأسر، تجد نفسها اليوم في مواجهة ضغوط عقارية متزايدة تهدد وجودها.

تقع الواحة على مقربة من “باب تاركا”، أحد المعالم التاريخية البارزة في المدينة العتيقة، وتُعد جزءاً لا يتجزأ من النسيج الحضري والثقافي لتيزنيت. على امتداد سنوات، وفّرت هذه الرقعة الخضراء مورد رزق لما يقارب 500 عائلة، من خلال نشاط فلاحي تقليدي يقوم أساساً على إنتاج الخضروات وتغذية السوق المحلية.

لكن هذه الأهمية البيئية والاجتماعية لم تمنع بروز تحولات مقلقة في الآونة الأخيرة. فبينما أطلقت السلطات المحلية في وقت سابق مشاريع لإعادة تأهيل الواحة وتعزيز استدامتها، بما في ذلك استخدام المياه المعالجة في السقي، تشير معطيات ميدانية إلى منح تراخيص لمشاريع عمرانية داخل المجال الواحي أو بمحاذاته.

هذا التناقض بين الخطاب الرسمي الداعم للبيئة والواقع الميداني يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الواحة. هل يتعلق الأمر باستثناءات محدودة، أم ببداية تحول تدريجي نحو إعادة توظيف المجال لأغراض استثمارية؟

بالنسبة للعديد من الفاعلين المحليين، فإن ما يحدث يتجاوز مجرد توسع عمراني عادي، ليطرح إشكاليات مرتبطة بالحكامة الترابية وتدبير الموارد الطبيعية في المدن الصغرى والمتوسطة. ويخشى هؤلاء من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى فقدان واحد من أهم الفضاءات البيئية الحضرية في المنطقة.

في المقابل، يرى بعض المدافعين عن التنمية العقارية أن المدينة بحاجة إلى توسيع مجالها العمراني لمواكبة النمو الديمغرافي وتحفيز الاستثمار. غير أن هذا الطرح يواجه انتقادات متزايدة، خاصة في ظل غياب توازن واضح بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على النظم البيئية المحلية.

المفارقة أن النقاش قبل سنوات كان يتمحور حول كيفية حماية الواحة من الضغط البشري وتنظيم الولوج إليها، بينما أصبح التحدي اليوم أكثر تعقيداً: كيفية حمايتها من التحولات البنيوية التي قد تغير طبيعتها بشكل جذري.

في سياق عالمي يشهد تصاعد الوعي بأهمية الفضاءات الخضراء داخل المدن، تبرز حالة تاركا أوسنكار كنموذج دال على التحديات التي تواجهها العديد من المدن في الجنوب العالمي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح تيزنيت في الحفاظ على واحتها كجزء من هويتها البيئية والثقافية، أم أن منطق الإسمنت سيحسم المعركة لصالحه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.