
في مشهد يعكس التحولات العميقة التي يقودها الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، اختارت الصينية جانغ شينيو طريقاً غير مألوف للتعامل مع فقدان والدها، إذ استعانت بتقنيات متقدمة لإعادة « حضوره » رقمياً عبر شخصية افتراضية تحاكي صوته وسلوكه. تجربة شخصية سرعان ما تحولت إلى ظاهرة متنامية في الصين تُعرف بـ »البشر الرقميين »، تثير في الآن ذاته إعجاباً واسعاً وقلقاً متزايداً.
هذه الشخصيات الافتراضية، التي يتم توليدها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وإعلامية متسارعة.
فقد انتشرت مقاطع فيديو لها على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُستخدم أحياناً بشكل شديد الواقعية للترويج لمنتجات أو لإعادة إحياء أشخاص متوفين، ما يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة.
وفي هذا السياق، تحركت السلطات الصينية لوضع إطار تنظيمي يضبط هذا المجال الناشئ. فقد أصدرت الهيئة الوطنية لتنظيم الفضاء السيبراني مشروع لوائح يلزم بالإفصاح الواضح عن أي محتوى يتضمن « بشراً رقميين »، ويمنع استخدام البيانات الشخصية دون موافقة أصحابها أو ذويهم، في محاولة للحد من مخاطر التزييف العميق وحماية الفئات الهشة، خصوصاً الأطفال.
قصة جانغ، البالغة من العمر 47 عاماً، تعكس البعد الإنساني لهذه التكنولوجيا. فبعد فقدان والدها إثر مرض السرطان، لجأت إلى شركة متخصصة لإنشاء نسخة رقمية منه. وتصف تجربتها بأنها أعادت إليها « الإحساس بالطاقة »، رغم مخاوف محيطها من تعلقها بعالم افتراضي قد يعيق تجاوزها للحزن. غير أنها ترى في هذه العلاقة الرقمية امتداداً صادقاً لمشاعرها، حتى وإن كانت الوسيلة مصطنعة.
اقتصادياً، يشهد القطاع نمواً لافتاً، إذ بلغت قيمة سوق « البشر الرقميين » في الصين نحو 4.1 مليارات يوان سنة 2024، مع تسجيل قفزة سنوية كبيرة، ما يعكس تسارع الاستثمار في هذه التكنولوجيا.
لكن الانتشار السريع لم يخلُ من جدل، خاصة بعد تداول مقطع مؤثر لأم تتحدث مع نسخة رقمية لابنها المتوفى، في فيديو حصد عشرات الملايين من المشاهدات.
الواقعية المفرطة للمشهد دفعت كثيرين للتشكيك في الحدود الفاصلة بين التعزية والاستغلال، وبين الذكرى والاصطناع.
اللوائح الجديدة تسعى إلى رسم هذه الحدود بدقة، حيث تحظر إنتاج محتوى يمس الأمن العام أو يثير الفتنة، كما تمنع تقديم علاقات افتراضية « حميمة » للقاصرين أو تشجيع سلوكيات غير صحية. كما تنص على عقوبات مالية قد تصل إلى مئات آلاف اليوانات في حال المخالفة.
ويرى باحثون أن هذه الخطوة تعكس توجهاً صينياً واضحاً لمواكبة الابتكار مع الحفاظ على السيطرة التنظيمية، في مسعى لتحقيق توازن بين التقدم التكنولوجي وحماية القيم الاجتماعية والسيادة الرقمية.
وبينما تفتح هذه التكنولوجيا آفاقاً جديدة للتواصل مع الذكريات، يبقى السؤال مطروحاً: هل نحن أمام وسيلة إنسانية لتخفيف الألم، أم بداية لواقع يصعب فيه التمييز بين الحقيقي والمصطنع؟.