
ربع قرن من الوساطة المؤسساتية: المخاطب الدائم ركيزة التنسيق وترسيخ قيم الإنصاف
شهدت مدينة الرباط، يوم الخميس 5 فبراير 2026، انعقاد يوم دراسي نظمته مؤسسة وسيط المملكة حول موضوع إعداد التقارير السنوية للمخاطبين الدائمين، شكّل مناسبة للتأمل في مسار الوساطة المؤسساتية بالمغرب، واستحضار التحولات القانونية والتنظيمية التي رافقت ترسيخ هذا النموذج في العلاقة بين الإدارة والمواطن.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في سياق خاص، يتزامن مع الاحتفاء بسنة 2026 كسنة للوساطة المرفقية، تخليداً لمرور خمسة وعشرين عاماً على إحداث ديوان المظالم سنة 2001، وهي محطة تؤرخ لمسار من الاجتهاد التشريعي والمؤسساتي بحثاً عن تعزيز الإدارة المواطِنة القائمة على خدمة المرتفق وإعمال مبادئ العدل والإنصاف.
وقد أبرزت الكلمة الافتتاحية لوسيط المملكة أن هذا اللقاء يندرج ضمن التزام سابق بتكريس التواصل الدوري مع المخاطبين الدائمين، باعتبارهم حلقة الوصل الأساسية بين المؤسسة والإدارات العمومية، وذلك بهدف تطوير التنسيق وتجويد منهجية إعداد التقارير السنوية، بما يضمن توحيد عناصرها ومقاربات صياغتها وفق المرجعيات المعيارية والممارسات الفضلى.
دور محوري في منظومة الوساطة
يستمد المخاطب الدائم مكانته من الإطار القانوني المنظم لمؤسسة وسيط المملكة، حيث يضطلع بمهام متعددة تشمل تتبع معالجة طلبات الوساطة، وضمان الرد عليها داخل الآجال القانونية، وتيسير التواصل مع المؤسسة، فضلاً عن العمل على إيجاد حلول منصفة للتظلمات الواردة. كما يتولى مسك المعطيات المرتبطة بهذه الطلبات وإعداد التقرير السنوي بشأنها.
وقد خصّ القانون المنظم للمؤسسة هذا الدور بموقع مركزي ضمن العلاقة بين الوسيط والإدارة، بما يعكس إدراك المشرع لأهمية وجود قناة اتصال مؤسساتية فعالة. ويعزز هذا الموقع انخراط المخاطب الدائم في اللجان الدائمة للتتبع والتنسيق، بما يتيح له الإسهام في ترسيخ التنسيق العملي وتبادل المعلومات.
تطور تشريعي يعكس تحولات الرؤية
إن استحضار المسار التشريعي لمنظومة الوساطة يبرز انتقالاً من نموذج المندوب الوزاري المعيّن بموافقة ملكية خلال مرحلة ديوان المظالم، إلى نموذج المخاطب الدائم الذي تعيّنه الإدارة من بين مسؤوليها المتمتعين بسلطة اتخاذ القرار. وهو تحول لا يعكس مفاضلة شكلية بين الصيغ بقدر ما يستجيب لاعتبارات عملية تروم ضمان فعالية التواصل وتحقيق نتائج ملموسة في معالجة التظلمات.
غير أن هذا الانتماء الإداري لا يلغي البعد الأخلاقي لوظيفة المخاطب الدائم، إذ يقوم دوره على التوفيق بين مقتضيات الإدارة ومتطلبات الإنصاف، عبر اقتراح التدابير الكفيلة بتحسين الاستقبال وتبسيط المساطر وتيسير ولوج المرتفق إلى المعلومة، فضلاً عن تعزيز قيم الشفافية والفعالية داخل المرافق العمومية.
بين المسؤولية الوظيفية والالتزام الأخلاقي
لا يُنظر إلى المخاطب الدائم باعتباره ممثلاً للإدارة أو ناطقاً باسم مؤسسة الوسيط، بل كعنصر أصيل ضمن منظومة الوساطة، يجمع بين الانتماء الوظيفي والالتزام بقيم العدالة والإنصاف. وهو موقع يتطلب استيعاباً عميقاً لروح القانون ومقاصده، ويجعل من أداء هذه المهمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إجراءً إدارياً.
وتعتمد المؤسسة في تقييم نجاعة الوساطة على مؤشرين أساسيين: سرعة تفاعلها مع الطلبات الواردة، ومدى تجاوب الإدارات مع مخرجاتها. وفي كلا المؤشرين، يتجلى الدور الحاسم للمخاطب الدائم باعتباره العامل المحدد لنجاح التواصل وتيسير الحلول.
حلقة حساسة في خدمة الحكامة
في ضوء هذه المعطيات، يبرز المخاطب الدائم باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الوساطة المؤسساتية، ليس فقط بحكم موقعه التنظيمي، بل لما يضطلع به من دور في تعزيز الحكامة الجيدة وتحسين أداء المرافق العمومية وترسيخ ثقافة الإنصاف.
إن الرهان على تطوير أداء هذه الآلية، عبر التكوين وتبادل التجارب وتوحيد منهجيات العمل، يظل مدخلاً أساسياً لتعزيز ثقة المواطن في الإدارة، وترسيخ الوساطة كآلية مؤسساتية فاعلة في خدمة العدالة الإدارية وصيانة حقوق المرتفقين.