مشروع قانون المحاماة 66.23… تشريع الإقصاء حين يتحول الإصلاح إلى أداة تمييز
أثار مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 موجة واسعة من الرفض في صفوف الطلبة والطالبات وخريجي كليات الحقوق بالمغرب، لما يحمله من مقتضيات اعتُبرت إقصائية وتمييزية، وتمس بشكل مباشر جوهر الحقوق الدستورية ومبدأ تكافؤ الفرص، وتضرب في العمق مكانة الجامعة العمومية وقيمة التكوين القانوني الأكاديمي.
وفي هذا السياق، أعلنت التنسيقية الوطنية لطلبة وخريجي شعب القانون رفضها القاطع لهذا المشروع، معتبرة أن صيغته الحالية لا ترقى إلى مستوى الإصلاح الحقيقي، بل تشكل تراجعًا خطيرًا في مسار تنظيم المهن القانونية، وتحويلًا لمهنة المحاماة من فضاء للكفاءة والاستحقاق إلى مسار مغلق ونخبوي، تحكمه شروط غير موضوعية ولا تستند إلى أي معيار مهني سليم.
تشريع خارج روح الدستور
ترى التنسيقية أن مشروع القانون 66.23 يتضمن خروقات واضحة لمجموعة من المقتضيات الدستورية، وعلى رأسها مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، والحق في الولوج المتكافئ إلى الشغل والمهن، وحرية المبادرة والعمل، إضافة إلى التزام الدولة بمحاربة الإقصاء الاجتماعي. ويُعد التنصيص على شرط تحديد سن أقصى لاجتياز مباراة المحاماة في أربعين سنة نموذجًا صارخًا للتمييز على أساس السن، خاصة وأن المحاماة مهنة فكرية تقوم على المعرفة والتجربة وليس على معيار عمري اعتباطي.
إن هذا التوجه، بحسب المحتجين، لا ينسجم مع روح دستور يقر بالحقوق والحريات، ولا مع فلسفة دولة الحق والقانون، بل يفتح الباب أمام تشريع إقصائي يُعاقب مسارات أكاديمية كاملة بدل معالجة اختلالات منظومة التكوين والتشغيل.
تعارض مع الالتزامات الدولية
ولا يقف الإشكال عند حدود الدستور الوطني، إذ تؤكد التنسيقية أن المشروع يتعارض مع المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقيات التي تحظر التمييز وتكفل الحق في العمل وحرية اختيار المهنة.
كما أن إقرار مسار معقد ومغلق للولوج إلى المهنة، يجمع بين مباراة ومعهد وتدريب طويل وامتحان تخرج، في ظل شروط عمرية وإقصاء أكاديمي، يشكل مساسًا بمبدأ التناسب والمعقولية في تقييد الحقوق، ويحوّل التنظيم المهني إلى آلية إقصاء بدل أن يكون وسيلة للرفع من الجودة والكفاءة.
ضرب الثقة في الجامعة العمومية
أخطر ما في مشروع القانون، بحسب البيان، هو ما يحمله من رسائل سلبية تجاه الجامعة العمومية والتكوين القانوني، إذ يفرغ شهادة الإجازة، بل وحتى الماستر، من قيمتها المهنية، ويكرس خطابًا ضمنيًا يشكك في كفاءة خريجي كليات الحقوق وقدرة الأساتذة الجامعيين على التأطير والتكوين.
وهو توجه تعتبره التنسيقية امتدادًا لخطاب رسمي يقلل من شأن الجامعة العمومية بدل الاستثمار في إصلاحها والارتقاء بجودة تكوينها وربطها بحاجيات المجتمع، مما يهدد الثقة في المؤسسات التعليمية ويعمق أزمة العدالة التعليمية والاجتماعية.
المحاماة: حق لا امتياز
تشدد التنسيقية الوطنية لطلبة وخريجي شعب القانون على أن مهنة المحاماة مهنة حرة، تقوم على الاستقلال والكفاءة والمعرفة، ولا يجوز إخضاعها لمنطق الغربلة الاجتماعية أو الإقصاء العمري، لأن ذلك يحولها إلى امتياز لفئات محددة، ويقصي أبناء الطبقات الشعبية والوسطى من ولوج إحدى أهم المهن القانونية.
وانطلاقًا من ذلك، أعلنت التنسيقية رفضها التام لمشروع القانون 66.23 بصيغته الحالية، ومطالبتها بإسقاط شرط السن لعدم دستوريته، وتمكين حاملي الإجازة في القانون من حق الترشح لاجتياز مباراة المحاماة، مع الدعوة إلى فتح حوار وطني تشاركي حقيقي يضم الطلبة والخريجين والهيئات المهنية والأكاديمية المختصة.
كما حمّلت وزارة العدل كامل المسؤولية السياسية والقانونية عن مآلات هذا المشروع، مؤكدة تشبثها بالجامعة العمومية وبالحق في المهنة، واستعدادها لخوض كل الأشكال النضالية المشروعة دفاعًا عن كرامة طلبة القانون، وعن العدالة في السياسات التشريعية.
لا للإقصاء… لا للتمييز…المحاماة حق وليست امتيازًا.