
المغرب الجبلي بين قسوة المناخ وغياب العدالة المجالية
بقلم مبارك اوتشرافت رئيس منتدى افوس الديمقراطية وحقوق الإنسان.
في كل شتاء قارس أو موسم جفاف جديد، تعود أوضاع سكان المناطق الجبلية إلى واجهة النقاش العمومي، لا بوصفها حالة استثنائية عابرة، بل باعتبارها مؤشرًا صارخًا على اختلالات عميقة في السياسات الترابية والاجتماعية. فهؤلاء المواطنون، الذين يعيشون في قلب الهشاشة المناخية، يجدون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الطبيعة القاسية، وفي مواجهة دولة لا تزال استجاباتها رهينة التدخلات الظرفية أكثر من كونها ثمرة رؤية استراتيجية مندمجة.
لم تعد التغيرات المناخية مجرد تحذيرات علمية بعيدة، بل أضحت واقعًا يوميًا في القرى الجبلية. مواسم جفاف طويلة تهدد الفلاحة المعيشية، وتساقطات ثلجية تعزل الدواوير، وفيضانات وانهيارات أرضية تقطع الطرق وتعرض الأرواح للخطر. وفي كل مرة، يتكرر المشهد ذاته: عزلة خانقة، انقطاع عن الدراسة، صعوبات حادة في الولوج إلى العلاج، وانتظار مساعدات لا تصل إلا بعد فوات الأوان.
تتضاعف آثار هذه الأزمات بسبب الهشاشة البنيوية التي تطبع المجالات الجبلية منذ عقود. فضعف البنيات التحتية، ورداءة الطرق، ونقص التجهيزات الصحية، وغياب خدمات عمومية قارة، تجعل أي اضطراب مناخي يتحول بسرعة إلى أزمة إنسانية. ولا تقف الخسائر عند حدود اللحظة، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه عبر تفاقم الفقر، وتسارع الهجرة القروية، وتفريغ القرى من شبابها وطاقاتها الحية.
في هذا السياق، يفرض سؤال العدالة المجالية نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن تنمية شاملة في ظل استمرار فجوة صارخة بين المركز والهامش؟ وكيف يمكن القبول باستمرار ما سُمّي بـ“مغرب السرعتين”، حيث تستفيد مجالات بعينها من ثمار النمو، بينما تظل المناطق الجبلية خارج دينامية التنمية؟
إن الرهان الحقيقي اليوم يمر عبر سنّ قانون خاص بالجبل يكرس مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة ساكنة هذه المناطق، باعتبارها فئات تتحمل عبئًا مضاعفًا من التهميش والهشاشة المناخية. فكما أكد جلالة الملك في أكثر من خطاب، فإن تقليص الفوارق المجالية ومحو مغرب السرعتين يشكلان شرطًا أساسيًا لبناء دولة الإنصاف والتماسك الاجتماعي.
فالحق في التنمية البشرية والمستدامة لا ينبغي أن يظل حكرًا على المراكز الحضرية والمجالات الجاذبة للاستثمار، بل يجب أن يعم مختلف أنحاء التراب الوطني. كما ينبغي أن تستفيد منه ساكنة الجبال بدل أن يُنظر إليها في السياسات العمومية باعتبارها مجرد “هامش” أو مجال طارد للسكان. إن استمرار هذا المنطق لا يؤدي إلا إلى تعميق الفوارق وتسريع الهجرة وإفراغ الجبل من طاقاته البشرية.
ومن هنا، يصبح التفكير في مستقبل الجبل تفكيرًا استراتيجيًا في المداخل الأساسية للتنمية:
صحة قريبة وفي متناول الجميع،
تعليم جيد يحد من الهدر المدرسي،
فرص شغل تحفظ كرامة الشباب،
وفلاحة مستدامة قادرة على التكيف مع التحولات المناخية وضمان الأمن الغذائي المحلي.
وحده هذا الأفق كفيل بضمان شروط العيش الكريم، وتحويل الجبل من مجال للهشاشة إلى رافعة حقيقية للتنمية المتوازنة.
إن ما يعيشه سكان المناطق الجبلية اليوم ليس قضاءً وقدرًا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية وترابية يمكن تصحيحها إذا توفرت الإرادة والرؤية. فالدستور المغربي لسنة 2011، وهو يؤكد على مبادئ العدالة المجالية والتضامن وربط المسؤولية بالمحاسبة، يمنح الإطار الدستوري اللازم لبناء سياسات منصفة، شرط الانتقال من الخطاب إلى الفعل.
فإما أن ننجح في إدماج الجبل في قلب المشروع التنموي الوطني، وإما أن يستمر بوصفه شاهدًا صامتًا على فشل الدولة في تحقيق التنمية للجميع.
بقلم: مبارك أوتشرفت
باحث في العلوم السياسية
رئيس منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان