
ليلى شهيد… سيرة نضالٍ بين المنفى والدبلوماسية وعشق المغرب
بقلم: محمد حيتوم
برحيل المناضلة والدبلوماسية ليلى شهيد، تفقد القضية الفلسطينية أحد أبرز وجوهها التي جمعت بين الالتزام السياسي والعمق الثقافي والحضور الإنساني في الفضاءين الأوروبي والعربي. مسارها لم يكن مجرد سيرة فردية، بل كان انعكاسًا حيًا لمسار شعب بأكمله، عاش المنفى وحمل حلم العودة.
ولدت ليلى شهيد سنة 1949 في بيروت، في سياق تاريخي مشحون بتداعيات النكبة، داخل عائلة فلسطينية متعددة الخلفيات الدينية والثقافية. هذا التنوع، إلى جانب تجربة المنفى، شكّل مبكرًا وعيها بقضية الهوية والانتماء، وجعلها قريبة من معاناة الفلسطينيين رغم عدم نشأتها في المخيمات.
في بيروت، انخرطت في العمل الاجتماعي والطلابي، ودرست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، متفاعلة مع أسئلة ما بعد حرب الأيام الست التي أعادت تشكيل الوعي العربي. لم تكن الجامعة بالنسبة لها مجرد فضاء أكاديمي، بل كانت ساحة للنقاش السياسي والثقافي، حيث ترأست تحرير مجلة طلابية وعاشت قلب الحراك الفكري في واحدة من أهم عواصم العالم العربي آنذاك.
انتقلت سنة 1974 إلى باريس لمتابعة دراستها العليا، وهناك توسعت شبكة علاقاتها الفكرية، فالتقت بأسماء بارزة مثل إدوارد سعيد ومحمود درويش. كما لعب الكاتب المغربي إدمون عمران المالح دورًا مهمًا في تعريفها بالمغرب، البلد الذي سيصبح لاحقًا جزءًا من وجدانها وحياتها.
كانت زيارتها الأولى للمغرب سنة 1976 بداية علاقة عميقة، توجت بزواجها من الأديب محمد برادة واستقرارها بالرباط لسنوات. خلال هذه المرحلة، تحول بيتها إلى ملتقى للمثقفين، وجسر للتواصل بين المشرق والمغرب، حيث امتزج النضال السياسي بالإبداع الثقافي.
رغم استقرارها النسبي، ظل ارتباطها بفلسطين قويًا، خاصة خلال حصار بيروت 1982، حيث واكبت الأحداث عن قرب، وساهمت في نقل معاناة الفلسطينيين إلى العالم. في تلك الفترة، رافقت الكاتب الفرنسي جان جينيه في زيارته لمخيمات صبرا وشاتيلا، والتي ألهمت نصه الشهير “أربع ساعات في شاتيلا”، وهو شهادة أدبية مؤثرة على واحدة من أبشع المجازر.
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، دخلت ليلى شهيد مرحلة جديدة من النضال عبر العمل الدبلوماسي. عُيّنت أول امرأة دبلوماسية فلسطينية سنة 1989 من طرف ياسر عرفات، وشغلت مناصب في إيرلندا وهولندا والدنمارك، قبل أن تتولى سنة 1993 رئاسة البعثة الفلسطينية في باريس.
في أوروبا، خاضت معركة من نوع آخر: معركة الصورة والرواية. عملت على نقل القضية الفلسطينية من زاوية أمنية ضيقة إلى فضاء القانون الدولي وحقوق الإنسان، مستندة إلى خطاب عقلاني وثقافي، ما ساهم في تغيير نظرة جزء من الرأي العام الأوروبي.
ومن أبرز محطات مسارها الدبلوماسي، مساهمتها في إنجاح زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الأراضي الفلسطينية سنة 1996، والتي شهدت مواقف سياسية قوية أعادت تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال.
كما شغلت بين 2006 و2015 منصب ممثلة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، حيث واصلت الدفاع عن قضيتها بصلابة وهدوء، معتمدة على قوة الثقافة والحوار.
بعد تقاعدها من العمل الرسمي، لم تتوقف عن العطاء، إذ ترأست جمعية أصدقاء معهد العالم العربي في باريس، وظلت حاضرة في المشهد الثقافي، داعمة للإبداع العربي.
ليلى شهيد لم تكن مجرد دبلوماسية، بل كانت صوتًا إنسانيًا راقيًا، يجمع بين صرامة الموقف ورهافة الإحساس. أحبت المغرب بصدق، وعاشت فيه وبين أهله، فبادلها المغاربة نفس الحب، لتصبح جزءًا من ذاكرتهم الثقافية والنضالية.
برحيلها، يغيب وجه من وجوه فلسطين المضيئة، لكن أثرها سيبقى حيًا، في الذاكرة، وفي كل مساحة دافعت فيها عن الحق والحرية.