وجهة نظر : حيرة الأوروبيين في التعامل مع ملف العائدين من تنظيم داعش…

تركيا جادة في ترحيل أنصار تنظيم “داعش” حتى إلى ألمانيا. صحيح أن هذا مطلب شرعي، لكن اردوغان يستغل موضوع مصير مقاتلي التنظيم الإرهابي كتهديد ضد عقوبات أوروبية مرتقبة بحق أنقرة بسبب قبرص، كما يرى ماتياس فون هاين.
“خلافة” ما يُسمى “الدولة الاسلامية” تم تهديمها، وزعيمها البغدادي مات منذ أسبوعين. لكن إيديولوجية الكراهية ماتزال مستمرة وخطيرة. وهذا ما اتضح اليوم (12 نوفمبر/ تشرين الثاني) مجددا في ولاية هسن حيث ألقي القبض على ثلاثة مشتبه بهم بالإرهاب كانوا يحضرون لاعتداءات يريدون ارتكابها باسم تنظيم “داعش” الإرهابي.

القلق من “داعش” يستغله الآن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان. فبالنظر إلى عقوبات أوروبية مرتقبة بسبب التنقيب عن الغاز قبالة قبرص يهدد اردوغان بترحيل إرهابيين من داعش عبر الحدود إلى أوروبا.

ألمانيا تبدو غير مستعدة
وبالفعل بدأت تركيا بتنفيذ عمليات ترحيل من السجون التركية كذلك في اتجاه ألمانيا. وعمليات ترحيل إضافية إلى ألمانيا مقررة الخميس والجمعة من هذا الأسبوع. وقبل عشرة أيام أعلن وزير الداخلية التركي سليمان سويلو بأن تركيا ليست “فندقا لإرهابيين”. والآن تتبع تهديداته أفعال ـ وتبدو ألمانيا غير مستعدة. فيما كان واضحا منذ سقوط قلعة داعش الأخيرة في مارس/ أذار الماضي أن المقاتلين الأجانب المعتقلين الذين يتجاوز عددهم 2000 وأكثر من 10.000 امرأة وطفل لا يمكن أن يمكثوا للأبد في المعسكرات والسجون الكردية.
ولم يكن هناك نقص في نداءات النجدة من قبل الإدارة الكردية المثقلة بالأعباء باتجاه البلدان الأصلية لعناصر داعش لاسترجاع رعاياها. لكن لم يحصل إلا القليل أو لا شيء. وحتى الدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تحرّك القضية. وبدلا من الاستجابة للنداءات أسرعت البلدان الأصلية بسحب الجنسية من مواطنيها الذين انضموا إلى داعش والتهرب على هذا النحو من مسؤوليتها. وحتى السياسة الألمانية اختبأت خلف شكليات: بما أنه لا يوجد علاقات رسمية مع الأكراد في شمال سوريا ولا مع دمشق، لا يمكن للأسف فعل شيء لإعادة ترحيل أنصار داعش المعتقلين، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الألمانية. فقط مجموعة من الأطفال تمت إعادتها بأمر من المحكمة.
والمؤكد هنا هو أن عناصر داعش المعتقلين تطرفوا في ألمانيا، وبهذا تتحمل ألمانيا مسؤولية تجاه هؤلاء الأشخاص وعليها إحالتهم هنا إلى المحكمة بسبب جرائمهم. والأطفال ـ عددهم يتجاوز المائة ـ لا يتحملون أي مسؤولية عن جرائم آبائهم. ويجب توفير الرعاية لهم وتخليصهم من التطرف. كل هذا صعب التحقيق، لكنه ليس مستحيلا.
كما أنه يعيش في ألمانيا مئات من العائدين من داعش، ومنهم أولئك الذين عادوا قبل انهيار داعش سريا وبهدوء مجددا إلى ألمانيا. بعضهم تم اعتقاله وآخرون أحيلوا إلى المحكمة وكثيرون يخضعون لمراقبة السلطات الأمنية. حتى الآن لم تحصل كارثة، لكن وباختصار يمكن القول بأن إعادة منظمة تحت رقابة سلطات الأمن تكون أفضل من ترك الأمور ببساطة تسير على مجراها. والأمل الخفي بأن مشكلة هؤلاء الأشخاص الذين لا يريدهم أحد ستلقى الحل وحدها من خلال غض البصر، دمرته تركيا الآن.
تركيا كانت “نزلا لإرهابيين”
مطلب تركيا يبقى شرعيا. فحتى ألمانيا تتوقع من دول أخرى استرداد رعاياها الذين ارتكبوا جرائم هنا. لكن تحرك أنقرة مشوب بأخلاقية مزدوجة. فإذا كانت تركيا تشتكي من الثقل المرتبط برعاية أنصار داعش المعتقلين، فيود المرء الرد على هذا الموقف بالقول اخلوا أولا سبيل المعارضين الذين يملئون السجون التركية بالآلاف.
وإذا قال وزير الداخلية سويلو بأن تركيا ليست فندقا لإرهابيين، فيجب الرد بأنها كانت لفترة طويلة على تلك الحال. داعش وجهاديون آخرون تمكنوا طوال سنوات من العمل بلا قيد في تركيا وتنظيم الإمدادات عبرها. وحتى في الهجوم المسمى بنوع من السخرية “عملية نبع السلام” لم تتورع أنقرة باستخدام ميليشيات جهادية في غزوها ضد الأكراد.
بقلم ماتياس فون هاين