
بقلم :عبد الكريم غيلان كاتب و شاعر
في مطلع عام 2026، لم يعد العالم يراقب مجرد تحركات دبلوماسية اعتيادية، بل بات شاهداً على ولادة “عقيدة ترامب” في نسختها الأكثر خشونة وجرأة. من أحراش فنزويلا المدارية إلى ثلوج غرينلاند القطبية، يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريف مفهوم السيادة الوطنية والقانون الدولي، مستبدلاً إياهم بمنطق “الاستحواذ الاستراتيجي” الذي يمزج بين دهاء الصفقات العقارية وقوة المطارق العسكرية.
“العزم المطلق”: رسالة الدم والنار من الحديقة الخلفية
لم تكن عملية “العزم المطلق” (Absolute Resolve) التي انطلقت في يناير 2026 مجرد عملية “إنفاذ قانون” لاعتقال نيكولاس مادورو بتهمة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، بل كانت إعلاناً صريحاً عن إحياء “عقيدة مونرو” بروح القرن الحادي والعشرين.
يرى المراقبون أن إسقاط نظام كاراكاس واحتجاز رؤوسه في سجون نيويورك، بأسلوب يحاكي سيناريو “نورييغا” في بنما عام 1989، كان يهدف لضرب عصفورين بحجر واحد: تأمين أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت إدارة شركات أمريكية، وتوجيه صفعة قاسية للنفوذ الصيني والروسي والإيراني الذي تغلغل في النصف الغربي من الكرة الأرضية. بالنسبة لترامب، النفط ليس مجرد سلعة، بل هو وقود الهيمنة الذي يجب استعادته كـ “أصل أمريكي مصادر”.
من النفط إلى المعادن: إكمال الدائرة الاستراتيجية
بينما لا تزال أصداء العملية العسكرية في أمريكا اللاتينية تتردد، حوّل ترامب بوصلته فوراً نحو الشمال الأطلسي، ليثبت أن فنزويلا لم تكن إلا “بروفة” لاختبار الإرادة الدولية. الرابط هنا عضوي ومدروس؛ فإذا كان نفط فنزويلا يؤمن الطاقة التقليدية، فإن معادن غرينلاند النادرة هي “نفط المستقبل” والمحرك الأساسي لثورة الذكاء الاصطناعي والتفوق العسكري الرقمي.
في تصريحاته الأخيرة (16 يناير 2026)، لوّح ترامب بسلاح الرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي الخشن ضد كل من يعترض مشروعه في غرينلاند، معتبراً أن سيادة الدنمارك على الجزيرة باتت “سيادة مشروطة” بعجزها عن حمايتها من الأطماع الصينية.
غرينلاند.. “القبة الذهبية” والصفقة الكبرى
تحت مسمى مشروع “القبة الذهبية” (Golden Dome)، يروج البيت الأبيض لضرورة السيطرة على غرينلاند لإنشاء نظام دفاع صاروخي غير مسبوق. لكن خلف ستار الأمن القومي، تكمن دوافع “إمبراطورية” بامتياز:
الاستقلال التكنولوجي: كسر احتكار الصين لسوق المعادن الحرجة (الليثيوم والنيوديميوم).
بوابة القطب الشمالي: السيطرة على الممرات الملاحية الجديدة التي كشفها ذوبان الجليد، لتصبح واشنطن “البواب” الرسمي للتجارة بين القارات.
الإرث العقاري: رغبة ترامب في تخليد اسمه بجانب الرؤساء الذين وسعوا مساحة الولايات المتحدة، محولاً الجغرافيا السياسية إلى أكبر صفقة عقارية في التاريخ الحديث.
العالم على فوهة بركان
اليوم، يقف العالم أمام مفترق طرق خطير. فبينما تقبع قيادة فنزويلا السابقة خلف القضبان، وترسل القوى الأوروبية (فرنسا وألمانيا) قوات رمزية لدعم السيادة الدنماركية، يصر ترامب على أن “القوة تصنع الحق”.
إن الاستراتيجية الأمريكية الحالية لا تكتفي ببناء التحالفات، بل تسعى للاستحواذ المباشر على الموارد. إنها سياسة “توسيع الخريطة” التي تبدأ من القطب الشمالي وتنتهي عند أطراف القارة الجنوبية، في محاولة لإغلاق الدائرة الاستراتيجية حول أمريكا، وعزل الخصوم خلف أسوار من الرسوم الجمركية والعمليات العسكرية الخاطفة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن في ردهات الأمم المتحدة: هل ستكون غرينلاند هي الضحية القادمة لسياسة الأمر الواقع، أم أن القطب الشمالي سيشهد مواجهة تكسر طموحات “الإمبراطورية” الجديدة؟