مصر : بين التجاهل والقمع ..هكذا تعامل النظام المصري مع الاحتجاجات

مشهد مرتبك ومواقف غير واضحة لا توحي بتوجه الحراك المفاجئ بالشارع المصري وطرق تعامل النظام معه، نحو مسار بعينه دون الأخر .. فما الذي يحدث في مصر؟ وكيف تتحرك الدولة للتعامل مع ما تشهده عدد من المدن المصرية من احتجاجات؟
تشهد عدد من المدن المصرية احتجاجات محدودة منذ مساء الجمعة (20 سبتمبر/أيلول 2019) ضد النظام السياسي الحالي في مصر، والذي لم يصدر عنه حتى الآن أي إعلان رسمي بشأن التظاهر ضده. بيد أن التحرك الواضح والأسرع كان لأجهزة الأمن، والتي ألقت القبض على أكثر من 400 شخصاً، وفقا للمفوضية المصرية للحقوق والحريات. وتوجه نيابة أمن الدولة للمعتقلين تهما منها: مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها والتظاهر بدون تصريح ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي. وتضمنت قائمة الاعتقالات أيضا المحامية ماهينور المصري، أثناء خروجها من مقر النيابة.

وفي حوار أجرته DW عربية مع مؤسس حزب الدستور المُعارض خالد داوود، وصف هذا الأخير رد فعل الدولة في مصر بكونه “التصرف التقليدي”، حيث يتم اللجوء إلى القمع الأمني والسيطرة على الرسائل الإعلامية “كلما واجهت الدولة مشكلة”، على حد قوله.

من جانبه لا يعتقد نائب رئيس تحرير راديو مونت كارلو وليد عباس، في حوار مع DW عربية، أن الحل الأمني سيكون “كافيا”، معتبرا أن الدولة تمر بـ “حالة من التخبط”، موضحا ذلك بالقول: “على ما يبدو أن أجهزة الدولة كانت إلى حد ما مطمئنة لعدم إمكانية حدوث أي تحرك ضدها، ولكن عندما حدث ذلك أُصيبت بارتباك وربما بحالة من الذهول والإنكار، ولم نشهد بيانا واحدا من الحكومة”.

ويضيف عباس: “يتم حاليا محاولة طرق كافة الأبواب، بداية من التجاهل، ثم محاولة ظهور بعض مؤيدين النظام بمظهر المتحاور، وصولا لاستخدام القوائم الموجودة بأسماء من شارك في تحركات سابقة وقمع من ربما ليست لهم علاقة بما يحدث”.

التجاهل والهجوم والحجب
وفي ظل هذه الأحداث، رصد موقع نيت بلوك، الذي يقوم بمتابعة عمليات حجب المواقع الإلكترونية حول العالم، حجب بعض المواقع والخدمات الإلكترونية في مصر مثل تطبيق ماسنجر التابع لموقع فيسبوك وموقعي كلا من قناة الحرة الأمريكية و أخبار بي بي سي البريطاني.

وصرح رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مكرم محمد أحمد بأن “معلوماته الأولية تؤكد حجب مواقع إخبارية بسبب نشر أخبار غير دقيقة عن المظاهرات”، وفقا لما ذكره موقع بي بي سي.
وكانت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية قد أصدرت بيانا على موقعها أمس الأحد تدعو فيه وسائل الإعلام الدولية ومراسليها المعتمدين في القاهرة، إلى “الالتزام بالقواعد المهنية المتعارف عليها دولياً عند تغطيتهم لشئون مصر وأخبارها وعدم الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصادر للأخبار.. وعدم القفز إلى استنتاجات ومبالغات هي أبعد ما تكون عن الحقيقة”، على حد وصف هذه الهيئة، فيما يعتبر أول تعليق رسمي من مؤسسة حكومية مصرية.

أما فيما يتعلق بتغطية الإعلام المصري الحكومي والخاص ذاته للتظاهرات، يقدم مؤسس حزب الدستور المعارض خالد داوود توصيفا للتغيير الذي شهدته التغطية منذ مساء الـ 20 من سبتمبر/أيلول، حيث يشير إلى قيامها في البداية “ببث الأغاني الوطنية وتسجيل حوارات لدعم الرئيس والحديث عن أن كل الأمور على ما يرام”، ثم الانتقال إلى الحديث عن كون “التظاهرات مدفوعة من قبل الإخوان المسلمين وتركيا وقطر كجزء من المؤامرة الدولية على مصر لدفع الناس للانقلاب على نظام الحكم”.

ويُشير نائب رئيس تحرير راديو مونت كارلو وليد عباس إلى خطورة عدم تغطية الإعلام لما يقع من تظاهرات كجزء مما وصفه بـ “غلق الساحة السياسية بشكل كامل” موضحا: “المشكلة هي أنه عندما تقع هزات حتى ولو كانت محدودة، يكون من الصعب تصنيفها بسبب غلق الساحة السياسية والإعلامية بشكل كامل فلا يوجد من يمكنه أن يعطى مؤشرات عن مزاج الشارع سواء الإعلام أو النقابات أو الأحزاب”، وبالتالي، يضيف وليد عباس “لا نملك معلومات كافية على الأرض لتحديد من وراء حركة من هذا النوع هل هي جهة ما أو قوى سياسية مدنية أم رجل الشارع العادي بشكل عفوي أم مزيج من كل ذلك”.

الإعلان عن تجاوزات برئاسة الجمهورية
وبعيدا عن تحركات الأجهزة الأمنية وما يتسم به المشهد الإعلامي المصري من ملامح، أعلن جهاز الكسب غير المشروع في مصر مساء أمس الأحد عن قيامه بإحالة موظفين برئاسة الجمهورية إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، “بناءا على توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بمعاقبة الفاسدين”، وفقا لموقع صحيفة المصري اليوم.

تفاصيل إحالة موظفين برئاسة الجمهورية للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهم فساد | المصري اليوم
أحال جهاز الكسب غير المشروع بعد تحقيقات استمرت عدة أيام في قضية التجاوزات بمؤسسة رئاسة الجمهورية، موظفين اثنين بالإدارة المركزية للاتصالات الإلكترونية برئاسة الجمهورية، وكذلك إحالة مهندس بشركة…

ويرتبط هذا التحرك الرسمي بواحد من الأسباب الأساسية للتظاهرات الأخيرة التي بدأت مساء يوم الجمعة الماضية تلبيةً لدعوات تم إطلاقها على شبكات التواصل الاجتماعي اعتراضا على النظام السياسي في مصر واتهامه بالفساد، خاصة من جانب رجل الأعمال المصري المقيم في أوربا حاليا محمد علي. إلا أن العديد من النشطاء والشخصيات المؤيدة والمشاركة بثورة الـ 25 من يناير عام 2011 عزفت عن دعوة الجميع للمشاركة في التظاهرات خوفا مما قد ينتج من عواقب على سلامة المتظاهرين.

وفي حواره مع DW عربية، يرى خالد داوود أن من شاركوا بالتظاهرات الأخيرة ليسوا نفس من شاركوا بتظاهرات يناير حيث يقول: “اعتقد أنهم أشخاص عاديون بسبب الطريقة التي استجاب بها الرئيس السيسي لاتهامات محمد علي له ببناء العديد من القصور الرئاسية، حيث أكد على بنائها بالفعل ونية الاستمرار في بناء المزيد”.
كما أشار داوود إلى ما وصفه بـ “حديث الرئيس السيسي عن توسل قادة أمنيين له بتجنب الرد على محمد علي ورفضه الإنصات لهم”، حيث اعتبر ذلك في حد ذاته “مشكلة تتعلق بنظرته لمؤسسات الدولة”، بالإضافة إلى “عدم سماحه لأحد بالمشاركة في اتخاذ القرارات”، على حد تعبيره.

واتفق وليد عباس مع داوود حيث قال: “لا نستطيع أن نطلب من رجل الشارع الاستمرار في التضحية وفي ذات الوقت نقول له نعم نحن نبني القصور، فهذا تخبط سياسي ينعكس بدوره على مواجهة الأزمات”.
يرى مؤسس حزب الدستور المُعارض خالد داوود أن “لا أحد يعلم ما إذا كانت التظاهرات ستستمر أم لا، حيث كسر البعض حاجز الصمت والخوف خلال الأيام القليلة الماضية”، مؤكدا في ذات الوقت على أنه كوجه للمعارضة “لا يرغب بالطبع في الانزلاق نحو الفوضى”.

أما نائب رئيس تحرير راديو مونت كارلو وليد عباس، فيرى أن الموقف الحالي في مصر يعتبر “من أخطر الأوضاع التي تمر بها البلاد”، معبرا عن أمله في “ظهور قطاع بالدولة قادر على إدارة الأزمة بطريقة لا ترفع من حدة الاحتقان وإطلاق حديث سياسي يمكن لرجل الشارع البسيط الاستماع إليه أو حتى التغيير على مستوى بعض الإجراءات الاقتصادية”.

ويتساءل عباس: “هل النظام المصري قادر على هذا التغيير؟”، ويجيب عباس نفسه بالقول: “حتى الآن لم يٌظهر هذا النظام ما يوحي أنه قادر على الاستماع للشارع، لكن هل وصل لمرحلة أنه مُجبر على الاستماع له؟ مازال من الصعب التنبؤ بهذا”.