مجتمع : الخيانة الزوجية بين مطرقة القانون وسندان المجتمع…

بواسطة إيمان ملوك
فتحت قضية الصحفية المغربية هاجر الريسوني باب النقاش مجدداً حول الحريات الفردية. مطالب في المغرب بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية، فماذا عن الخيانة الزوجية التي تتباين بشأنها القوانين في بلدان عربية كما تختلف عن أوروبا.
بعد الحكم عليها بالسجن عاماً واحداً بسبب “الإجهاض” و”إقامة علاقة خارج إطار الزواج”، أصدر العاهل المغربي محمد السادس الأربعاء (16 تشرين الأول/أكتوبر 2019) عفواً ملكياً على الصحفية المغربية هاجر الريسوني، بحسب ما أفاد مصدر حكومي لوكالة فرانس برس.

قضية الصحفية المغربية هاجر الريسوني جددت النقاش حول تجريم الحريات الفردية في المغرب وأثارت انتقادات من جمعيات حقوق الإنسان التي رفعت دعوات مطالبة بوقف الملاحقات القضائية في قضايا العلاقات الجنسية والإجهاض والخيانة الزوجية. وأبرز هذه الدعوات حملة أطلقها “ائتلاف 490” وهو حركة افتراضية تأسست مؤخراً. الحملة، التي تحمل شعار “خارجة على القانون”، جاءت على شكل عريضة للتوقيع تطالب بتغيير أو حذف القانون 490 المتعلق بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج في المغرب.

وتجاوز عدد مؤيدي الحركة عشرة آلاف على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبره مؤسسو الحركة خلال ندوة أقيمت في الدار البيضاء يوم 14 أكتوبر/ تشرين الأول حول الحملة ومطالبها، دافعاً إيجابياً للمضي قدماً في هذه المعركة.

رفع تجريم الخيانة الزوجية هو مطلب من المطالب الأساسية لهذه الحملة، إذ تعتبر الخيانة الزوجية في عدد كبير من البلدان العربية الإسلامية جنحة خطيرة يعاقب عليها القانون. وتعاني النساء في عدد في المجتمعات العربية من عقوبات السجن والتهميش والاضطهاد نتيجة لارتكابهن الخيانة الزوجية أو حتى فقط الاشتباه في ذلك. وعن خلفية النظرة المتحفظة في المجتمعات العربية إزاء الخيانة الزوجية، يرى الكاتب والباحث في علم الاجتماع، محمد الناجي، في حواره مع DW عربية أن التحفظ في المجتمع راجع إلى تأثير الشريعة الذي يعتبر جسد المرأة ملكاً لزوجها وللمجتمع الذي يعاقبها على خيانتها: “وهو ما لا يتماشى مع الوضع الراهن للمرأة التي تخرج وتدرس وتعمل. هناك تناقض بين التصور الديني الذي خضع هو بذاته لتطورات، إذ لم تعد تُطبق عقوبة الرجم في حالة الزنا”.

تساوي قوانين بعض دول المغرب العربي بين المرأة والرجل في عقوبات ارتكاب الجنس خارج إطار الزواج. ففي المغرب يتم تجريم الرجل والمرأة وفقاً لنص المادة 491 من قانون العقوبات المغربي وتتراوح عقوبة السجن بين سنة إلى سنتين. أما في تونس ووفق المادة 236 من قانون العقوبات التونسي، يُحبس كل من الزوج أو الزوجة خمس سنوات مع دفع كفالة.

أما في بلدان عربية أخرى هناك أوجه تمييز في قوانين العقوبات بين الرجل والمرأة، منها مدة العقوبة أو شروط تحقق الخيانة الزوجية. في مصر يميز قانون العقوبات بين الرجل والمرأة، إذ طبقاً للمادة 274 من قانون العقوبات المصري، تعاقب المرأة التي ثبتت بحقها الخيانة الزوجية بالسجن سنتين، بينما يعاقب الزوج بالسجن ستة أشهر طبقاً للمادة 277، كما يميز القانون بين الرجل والمرأة في شروط تحقق الخيانة الزوجية، إذ تعاقب المرأة على الخيانة سواء داخل بيت الزوجية أو خارجه، أما بالنسبة للزوج فلا تتحقق شروط الخيانة الزوجية إلا في حالة وقوعها داخل بيت الزوجية.

في لبنان لا تختلف القوانين كثيراً عن مصر من حيث التمييز بين الرجل والمرأة في شروط تحقق الخيانة، أما فيما يخص العقوبة تميز المواد 487 و488 و489 من قانون العقوبات اللبناني بين الرجل المرأة، إذ تعاقب الزوجة على ثبوت فعل الخيانة عليها من المرة الأولى، بينما لا يُعاقب الرجل إلا في حال توفر صفة العادة في ارتكاب نفس الجرم ووجود شهود عليها. ولا تختلف القوانين كثيراً في باقي البلدان العربية الأخرى.

في المقابل لا يعاقب القانون على الخيانة الزوجية في كثير من البلدان الأوروبية، ومنها ألمانيا، حيث لا يعاقب القانون على الخيانة الزوجية ويُنظر لها على أنها “انتهاك” للالتزام بالمعاشرة الزوجية بين الزوجين بعد الزواج وسبباً كافياً في إنهاء عقد الزواج، حسب قانون المعاشرة الزوجية الألماني.

تركز حملة “خارجة على القانون” على الدفاع عن حرية العلاقات الجنسية والمطالبة برفع تجريمها ولكن معاناة النساء في الدول العربية لا تقتصر على العقاب القانوني، إذ أن مجرد الاشتباه في ارتكاب امرأة للخيانة الزوجية يكفي لاضطهادها من قبل المجتمع الذي تعيش فيه، كما ترى الناشطة الحقوقية، خديجة الرياضي حوارها مع DW عربية: “في المغرب حتى لو لم يعد هناك تمييز في عقوبة الخيانة الزوجية بين المرأة والرجل من حيث القانون، المجتمع لا زال يميز بينهما ونظرته للخيانة الزوجية بالنسبة للرجل ليست نفسها بالنسبة للمرأة. هناك تمييز على المستوى الثقافي يعطي الحق للرجل ضد المرأة”.

وترى الرياضي أن المشكل الذي تعاني به المجتمعات العربية على المستوى الحقوقي أنه عندما يتعلق الأمر بعلاقة جنسية بين أشخاص بالغين وراشدين كيفما كانت وضعيتهم، لا يحق للدولة التدخل، ويشاطرها الرأي، محمد الناجي، الذي يرى أن عقوبة الخيانة الزوجية يجب أن يُنظر لها كما يجري به العمل في أوروبا وهو الحق في الطلاق: “لا أجد لعقوبة السجن علاقة مع تطور المجتمع ويجب علينا الخروج من إطار العقوبة بالأخص للنساء لأن الخيانة الزوجية ينظر لها تقريباً بشكل عادي في المجتمع، عندما يكون المرتكب لها رجل ويختلف الأمر كثيراً عندما يكون الجاني امرأة”.

فتح النقاش “بداية” الحل؟
فتح النقاش هو السلاح الذي تواجه به الناشطات النظرة المحافظة في المجتمعات العربية للحديث عن الحريات الفردية، كما ترى الرياضي: “في السابق لم يكن يُقبل حتى فتح النقاش حول مثل هذه المواضيع، عندما طرحنا في 2012 موضوع الحريات الفردية، واجهنا انتقادات من الإعلام والمجتمع باعتبارها مخلة بالعادات والعقيدة”.

وعن فرص نجاح هذه الدعوات التي يُنظر لها لدى الكثيرين في المجتمعات العربية باعتبارها دعوات نابعة من ثقافة غربية تتعارض مع قيم المجتمعات العربية والإسلامية تقول الناشطة المغربية أن “العقلية المحافظة تتعمق داخل المجتمع والعقل المنفتح الذي عرفناه في المغرب منذ 30 سنة أو 35 يتراجع، نتشاءم أحياناً ونقول أن هذه الأمور من الصعب تغييرها، لكن رغم هذا التراجع في العقليات وفي الأوضاع الثقافية للمجتمع، نرى أنها ستتغير ربما ليس في القريب، المهم الآن أن يُفتح النقاش حولها.

كشف تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2018، عن تراجع حقوق الإنسان في مصر، حيث قبضت السلطات على عدد من المعارضين والمنتقدين والمدونين الساخرين، ونشطاء حقوق الإنسان، بالإضافة إلى عدد من الصحفيين ومرشحي الرئاسة، وضحايا التحرش الجنسي. وتعرضت منظمات المجتمع المدني لقيود ومضايقات. وقبضت السلطات بشكل تعسفي على ما لا يقل عن 113 شخصا دون سبب لتعبيرهم سلميا عن آراء انتقادية.

لجأت السعودية حسب التقرير إلى استخدام “القوة المميتة، وغير ذلك من أشكال العنف لقمع المعارضة”، وعدت المنظمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول مثالا ساطعا على غياب المحاسبة. وأشار التقرير إلى تعرض أقليات دينية لاضطهاد من جانب الدولة، إضافة إلى تعرض عدد من منتقدي الحكومة والأكاديميين ورجال الدين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمرأة للمضايقة والاعتقال والمحاكمة على أيدي السلطات.

شهد عام 2018، كما عام 2017، تطورات إيجابية محدودة في على المستوى التشريعي والمؤسساتي، فيما يتعلق بحقوق المرأة في تونس ولبنان. ورغم بعض الأحكام القضائية التي حكمت ضد تجريم العلاقات الجنسية بين أفراد من الجنس نفسه، إلا أن السلطات في هاتين الدولتين اعتقلت وحاكمت أشخاصاً بسبب ميولهم الجنسية الفعلية أو المفترضة.