قطاع الإعلام بالمغرب: مسار طويل، تاريخ حافل وإنجازات متفاوتة بمناسبة اليوم الوطني للصحافة والإعلام.

محمد الوافي/ إعلامي ونقابي
يحتفل المغرب بصحافته وبصحافييه منتصف شهر نونبر من كل سنة، من خلال تخليد اليوم الوطني للصحافة والاتصال، وهي مناسبة لتقييم ما تحقق من منجزات في مجال حرية الصحافة والإعلام وما تعذر إنجازه نتيجة بعض المصاعب التي يعرفها القطاع، بغية الاستعداد لخوض موسم إعلامي جديد، يكون أكثر تحقيقا وأقل إحباطا من سابقه. فكيف كانت السنة التي نودعها، وماذا ينتظرنا خلال السنة القادمة؟

الإطار المؤسساتي

كان موسم 2018-2019 لحظة زمنية خاصة في تاريخ الصحافة والإعلام بالمغرب، شكلت بعض ملامحها جزء من أحلام ومشاريع رواد الصحافة والإعلام منذ أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود، وذلك على مستوى التصورات والأهداف التي حملوها في الصدور وتمنوها للمغرب الذي حلموا به، وآملوا تحقيقها خدمة للمهنة والمهنيين.

ولعل الحدث الأبرز في سنة 2019 على المستوى الإعلامي، هو الحذف المفاجئ لوزارة الاتصال من الهندسة الحكومية، وما شكله ذلك من مفاجأة للرأي العام، وخصوصا موظفي القطاع وشغيلته. وهو ما تم دون إطلاق أي نقاش عمومي، ودون إعلان مسبق، وطبعا في غياب أية استشارة مع المهنيين. هذا القرار الغير منتظر خلق سجالا حول أدوار وزارة الاتصال، بين من يرى أن المؤسسات المحدثة منذ 2002 إلى اليوم كفيلة بإنجاز كل المهام والسياسات الموكول تدبيرها للوزارة، وبين من يرى أن القرار متسرع ولا يمكن التخلي على قطاع دأب على تدبير سياسات الدولة في الإعلام والاتصال والتواصل على امتداد أكثر من ستة عقود، واقترح قوانين، وأنشأ مؤسسات وطنية كبرى، وطبق رؤية وسياسات الدولة في الموضوع، وتميز فوق هذا وذاك بتعاقب رجالات وأعلام ذووا صيت وطني ودولي كبير، ابتداء بالزعيم الوطني مولاي عبد الله إبراهيم، وليس انتهاء بالرائد العربي المساري.

وبعيدا عن ذلك فقد تميز الاحتفال باليوم الوطني للصحافة والإعلام، بغياب أي احتفال رسمي كبير بهذه المناسبة، وهو ربما مؤشر واضح على المكانة المنحدرة التي صارت توليها الطبقة السياسية المغربية والحكومة لقطاع الإعلام بشكل عام، وللنهوض بحرية الصحافة والنشر، وحريات التعبير على الأخص. وظل تقديم المجلس الوطني للصحافة لميثاق أخلاقيات المهنة الذي صدر بالجريدة الرسمية مؤخرا، نقطة الضوء الوحيدة، رغم ما يمكننا توجيهه من نقد لرفاقنا في هذه الهيأة.

إلا أن طريق جهنم لا تخلو من نوايا حسنة كما يقول المثل الفرنسي. وهكذا، ورغم كل تراكمات وإنجازات أجيال من أبناء وبنات المهنة، إلا أن النتائج المحققة لا تشكل إجماعا كبيرا بين مختلف مكونات القطاع.

ولا أدل على ذلك مما يشكله المجلس الوطني للصحافة من آراء متناثرة ومواقف متباعدة، ضدا على ما كانت، ولا تزال، تتمناه كل الإعلاميات والإعلاميين. فبدل أن تكون مؤسسة التنظيم الذاتي هاته مصدر إجماع من قبل كل مكونات المجتمع، صارت تشكل نقطة أخرى من نقاط عدم الارتياح الذي يسم انطباعات ومواقف بعض المنتمين للجسم الصحفي، على الأقل إلى حدود اليوم.

فقد شابت مراحل ترتيب إخراجه إلى حيز الوجود عدة شوائب، تعلق بعضها بلجنة الإشراف على إخراجه، من وضع غير مريح في صفات بعض الأعضاء، أو إقحام مفاهيم غير دقيقة، أو يلفها بعض اللبس، أو غيرها من تفاصيل.

فكان ذلك حال الخرق الذي طال المادة 425 من القانون 65-99 بمثابة مدونة الشغل، والتي تعرف النقابة الأكثر تمثيلية بشكل واضح. غير أن النقابة الوطنية للصحافة التي احتلت أهم المناصب بهذه الذريعة، لا ينطبق عليها ذلك التعريف. ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل ترتب على هذا الخيار مغالطات، نتج عنها بدورها عدة أمور كان بالإمكان تفاديها، من قبيل احتجاج زملاء من النقابة الوطنية للصحافة ضد قيادتهم على تعيين العضو الثامن من قبل الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال. وما كان لهذا أن يحدث لو تم احترام مدونة الشغل عند اتخاذ القرارات والخطوات الأولى لإخراج المجلس.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل كان مسار إخراج المجلس مؤثثا بالمشاكل والاحتجاجات، وبلغ الأمر إلى إطلاق دعاوى قضائية، نتج عنها مس بسمعة المجلس وبهيبته، في حين أنه كان اتخاذ احترازات، وإطلاق حوار هادئ وصادق كمينا بتفادي كل هذا التيه.

التوتر لم ينحصر على الصحافيات والصحافيين، بل امتد كذلك إلى جسم الناشرين واستقال ذ. البريني بشكل مفاجئ، وبلغ رنين التوتر إلى بعض المؤسسات، مثل ما كان عليه الأمر بالنسبة لموقف مدير وكالة المغرب العربي للأنباء وبعض الإعلاميين بالوكالة الوطنية.

أما على مستوى المؤسسات الإعلامية الوطنية الكبرى، لم تتغير الأمور كثيرا، ولا زالت القنوات التلفزيونية الوطنية تتخبط في أزماتها المالية منذ سنوات، مع استفحال الوضع بشكل خطير جدا في القناة الثانية. ولا نحتاج لشرح الواضحات، خصوصا بعد صدور التقرير الجديد للمجلس الأعلى للحسابات، وتنبيهه للأخطار المحدقة بالصناعة السمعية البصرية الوطنية. فأصحاب القرار العمومي اختاروا موقف الجمود وعدم المبادرة خلال كل السنوات الماضية، دون أي توضيح أو تصريح. و زادت العلاقات سوءا بين الفاعلين في المجال، وصار منسوب الثقة من سيئ إلى أسوأ. ورغم محاولات الهيأة العليا للسمعي البصري إضفاء نوع من الطابع العادي على الجدلية السلبية التي تتحكم فيه، من خلال إصدار تصاريح لإطلاق قنوات تلفزيونية جديدة، وكأن هذه المشاكل تقع في قارة أخرى، إلا أن الواقع المعاش لم يزد إلا استفحالا، وجاء شروع الفاعل السعودي لقناة MBC5 في بث برامج موجهة للمغرب وبشكل يستهدف جلب الجمهور المغربي والسطو على حيز غير قليل من الكعكة الإشهارية، ليطلق ربما رصاصة الرحمة على النسيج السمعي البصري الوطني – في حالة ما ظل موقف الدولة على ما هو عليه من تجاهل لما يتهدد هذه الصناعة الوطنية الاستراتيجية. أما الإذاعات فشكلت ربما إحدى نقاط الضوء القليلة في مشهدنا السمعي البصري بما توفره من تنوع في العرض وفي البرامج، ومن حرية نسبية في التعبير، مع استثناءات خائبة، تخص التراجع الحاصل في بعض المحطات.

تخبط في تلمس الأفق

إلى جانب هذه الوقائع المأسوف عليها، تميزت السنة التي نودعها باستمرار حبس صحافيين مشهورين كحالة الزميل حميد المهداوي، وتوفيق بوعشرين، وانضافت إليهم حالة جديدة شكلت سابقة من نوعها، وهي اعتقال هاجر الريسوني، وما شكله ذلك من أسف وحيرة لدى الجسم الصحافي، وما تسبب فيه ذلك من خدش في صورة المغرب وسمعته في الداخل والخارج. الأمر الذي يتناقض وجهود العديد من الأطراف والدوائر، تحاول كلها ترسيخ صورة مميزة للملكة، سواء تعلق الأمر بواجهة الأصدقاء التقليديين أو بالحلفاء “النقديين” للملكة، إن صح هذا التعبير، أو لدى الخصوم والأعداء.

وقعت تلك الأحداث بشكل متسارع جعلت أمر التنبؤ بما ينتظر ممارسة حرية الرأي والتعبير في المغرب أمرا صعب القراءة. وعبرت عدة أصوات على أنها لا تخدم الجهود التي تبذلها جهات عديدة في الدولة لبناء القوة الناعمة المغربية، ولتوسيع تأثيرها داخل الدول والمجتمعات والأطراف المؤثرة في المنتظم الدولي.

معاناة منتسبي الجسم الصحافي لم تتوقف عند هذه الحدود، فقد سجل الموسم المنقض تجاوزات أخرى كثيرة ضد الصحافيين والمصورين وأطقم المؤسسات الإعلامية. وتراوحت بين المنع من التصوير، أو ولوج مسارح الأحداث، وطال بعضها الاعتداء الجسدي والسب وغيره، وكان أبطالها حراس بنايات ومؤسسات وملاعب، أو رجال أمن أو مدراء مؤسسات عمومية أو مسؤولي السلطات العمومية وغيرهم، وهي خروقات توصلت نقابة الصحافيين المغاربة بشكايات عديدة، وأصدرت بلاغات في بعض منها.

ذوي القربى

إلا أن شوائب حصيلة السنة في مجال حرية الصحافة والتعبير لم تكن دائما بفعل “الآخرين”، فقد سجل المهنيون خروقات يندى لها الجبين ارتكبها صحافيات وصحافيون في حق مواطنين ومسؤولين عموميين وخواص، وشخصيات مختلفة وصحافيات وصحافيين وفنانين وفنانات تعرضن للطعن في الشرف، ونشرت جرائد ورقية ومواقع إلكترونية معطيات غير مؤكدة حول حياة أشخاص وقرارات تخصهم، أو عن حميميتهم. بل نشرت بعض المنابر معطيات من محاضر الضابطة القضائية، وأصدرت أحكاما جاهزة في حق متقاضين قبل أن يقول القضاء كلمته. وعشنا فصولا و”مجازر” مهنية ارتكبها بعض المحسوبين على الجسم الصحفي في حق المجتمع.

إلى ذلك تنضاف إجراءات وقرارات إدارية لا تستند إلى قانون، وتصب في اتجاه التضييق على حرية الصحافة والرأي، من قبيل قرار منع الصحافيين من متابعة أشغال دورات مجالس الجماعات الترابية ومجالس العمالات والأقاليم والجهات والغرف المهنية، أو استمرار منع القوانين الداخلية للبرلمان الصحافة من تغطية مداولات ونقاشات اللجان البرلمانية، إلى جانب ما يعانيه الجسم الصحفي في الوصول للمعطيات، عمومية كانت أم خاصة، رغم توفر بلادنا على قانون الحق في الحصول على المعلومات.

وسط هذه الصعاب يتلمس الإعلام الوطني الطريق ليفرض نفسه كقطاع يستحق العناية والرعاية، من أجل تجسيد هدف خدمة عمومية للجمهور، بل أن مراميه وإسهاماته لا تتوقف عند هذا، بل يمكنه أن يحاكي الأدوار الهائلة التي يسديها الإعلام الأمريكي والبريطاني والفرنسي والألماني و السويسري والروسي والقطري والسعودي والإيراني إلى بلدانهم. وهو ما يتطلب توفير شرط الإرادة لدى الدولة، التي يتوجب عليها تجاوز الموقف الحالي، وتوسيع النظر إلى ما تمر به الديناميكيات المختلفة في التجارب الدولية، وما يمكن للإعلام الوطني أن يلعبه من أدوار في دعم تموضع المغرب الاستراتيجي، ودعم قوته الناعمة الناشئة.

في انتظار ذلك، نتمنى من زملائنا في المجلس الوطني للصحافة، أن ينكبوا على قطاع الإعلام الإلكتروني، كإعلام جديد وحمال أوجه، وربما بشير حداثة إعلامية قادمة – أتمنى إذا النظر إليه – كقطاع كمين بإغناء الحقل الإعلامي الوطني وبنشر الوعي النقدي لدى المواطن، بما يتمتع به من انتشار واسع، يستحق من المجلس الوطني للصحافة إيلائه الرعاية والاهتمام، ومصاحبة الشابات والشبان الذين رأوا فيه قنطرة لولوج مهنة الصحافة والاتصال وتجريب الخوض في مهنة المتاعب من هذه البوابة. وذلك عبر برامج التكوين والتأطير والدعم المادي والمعنوي، بدل أن يبنى الموقف من هذا القطاع على آراء بعض الزملاء الذين يرون فيه قطاعا منافسا وجب التضييق عليه وتهميشه واستغلال كل هفوة من هفوات المنتسبين إليه.