
بقلم عبد الصمد الكباص
هذا كتاب مُربِك. كتاب في تقلّب الحقيقة، يجعل من التاريخ إنفاقًا للمجد، ومن الحياة احتيالًا على المعنى. لذلك سيثير من الجدل ما يكفي ليظلّ يتنفّس في عقولنا. يتراوح بين الحدود القصوى للشغف بالحدث، والانتماء المُدمِّر إليه. يساير توقّعاتنا في البداية ثم يخونها لاحقًا. نبدأ القراءة فنهمس لأنفسنا: «هذا حدث نعرفه»، وفي النهاية يردّ علينا: «لم تكونوا تعرفون شيئًا… إليكم الحقيقة».
حين بعث إليّ الأستاذ أحمد الطالبي المسعودي المعدري مخطوطة الجزء الثالث من سيرته، كنت منشغلًا بوضع اللمسات الأخيرة على كتابي «أتذوّق، أسمع، أرى… فلسفة من أجل الحواس». كنت أقضي الليالي المتأخرة والصباحات المبكرة مغمورًا بحماس القهوة وهدوء الموسيقى، حائرًا بين الحذف والإضافة. لكن ما إن توصّلت بمخطوط الطالبي وقرأت فقراته الأولى، حتى تراجع كتابي إلى الخلف، واستبدّت بانتباهي العوالم المتداخلة، والقصص المتشابكة، والأحداث الصادمة التي يكاد صوتها يُسمَع خارج دفّتي الكتاب. اكتشفت لحظة غريبة من التردّد والإقدام، من التقدّم والتراجع، إزاء ما ترسّخ في ذهني بوصفه تاريخًا معاصرًا.
عرفت أحمد الطالبي منذ سنوات طويلة. تقاسمنا الفرح والضحك ونشوة التذوّق. رجل يبني الصداقات بأناقة، ويملك فنّ صيانتها. يجيد استعمال الكرم كفضيلة تُرسّخ جمال الحياة، ويتقن ابتكار لحظات التقاسم المفاجئة كملاذ لتعبئة الذاكرة، لأن الزمن، من دون ذكرى، يغدو فراغًا. تجوّلنا معًا في شوارع مراكش وأكادير والرباط، وجمعتنا حفلات عشاء متكرّرة في بيته، مع لَمّة من الأصدقاء: رعاة الفلسفة المغربية المعاصرة عبد العزيز بومسهولي وحسن أوزال، ومن حين إلى آخر كان ينضمّ إلينا أصدقاء مثل الدكتور عبد العزيز الريماني، والدكتور محمد البخاري، والمبدع ياسين عدنان، والكاتب محمد شويكة، والصديق الشاعر أحمد بلحوشة.
اللافت في كل لقاء مع أحمد الطالبي، إلى جانب هوسه بالأدب وامتزاج نشوته بقراءة الشعر، تمرّسه الفخم على الحكي، الذي تتشكّل مادته الأساسية من تجربته كمعارض، ومن مغامراته المشحونة بتشويق المنفى. في كل مرة كنّا نكتشف رجلًا عاش مع الرجال، عبر المدن والبلدان، من أوروبا إلى الجزائر وليبيا والعراق وإيران، وتقاطعت مساراته مع رموز حرّكت مغرب الحسن الثاني، بمواقفهم وبطولاتهم في تمجيد الرفض وممارسة الحرية. وكنا، في كل مرة، نُجدّد مطالبنا له بضرورة كتابة تجربته وفاءً لحقّ التاريخ.
خلال عشاءاتنا المتكرّرة في بيته – وهو، بالمناسبة، طباخ ماهر يتقن فنون المائدة – قدّم لي عشرات الوثائق السرّية المتعلّقة بالمعارضة الاتحادية في الخارج، وكمًّا هائلًا من الصور. تلك ميزة أخرى يتفرّد بها: وعيه بأن الاقتراب من التاريخ دون وثيقة ينطوي على مخاطرة كبرى. بل إن الأجزاء الثلاثة من سيرته، ومنها هذا الكتاب، تتحوّل إلى وثيقة ذات أهمية قصوى، متى حانت اللحظة التي نكون فيها مستعدين للانتقال من الذاكرة إلى التاريخ. ويبدو لي اليوم أن حرصه على جمع الوثائق دليل على أن كتابة تجربته كانت دائمًا جزءًا من مخططاته الضمنية، وأنه كان ينتظر فقط نضج الزمن الملائم.
هل يكتب أحمد الطالبي ليثأر من الماضي؟ لا أعتقد. فهو لم يتنكّر يومًا لنفسه، ولم يسعَ إلى تطويع روح الحدث الذي كان جزءًا منه ليتماهى مع روح الحاضر. لا يبرّئ أحدًا ولا يدين آخر. إنه يثأر فقط من النسيان، ومن ميله إلى أن يتحوّل حقيقة. يترك الحدث يفصح عن ذاته، يفتح الزوايا المُهمَلة في تجارب التذكّر السابقة، يُشهِر الوثيقة حين تتوفّر، ويسرد ما سمع، ويُظهر ما رأى. وفي كل ذلك يندفع أمامنا موكب كثيف من الأسماء والمسارات والتقاطعات المشحونة التي تهيّئ شروط انفجار الأحداث وبروز ظلالها.
يدرك الطالبي أن هذه الظلال أخطر من الحدث نفسه، وأن حولها يدور الصراع الحقيقي حين تتعلّق المسألة بمحنة الحقيقة. ولأجل استكمال دورة هذه الحقيقة، سافر الرجل، وهو يُعِدّ كتابه، مرتين إلى فرنسا، يُخاطب الأمكنة، ويستعيد اللقاء بالرفاق، ويجمع المزيد من الوثائق. إنه يتعقّب ظلال الحدث، التي لا تكتفي بأن تكون من مخلّفاته، بل تحدّد جوهره بعد أن يكون أوان إدراكه قد فات.
نحن أمام تجربة حياة. والحياة لا تحمل بصمة شخصية إلا عبر العلاقة بالآخرين، وعبر التدفق العنيف للعالم، والاشتباك بالمجهول. لذلك لم يكن تحرّك الطالبي، كما يظهر في العمل، بلا محفّز: قد يكون حدثًا بلا اسم، أو شخصًا، أو مكانًا. تمامًا كما في الأسطورة: هناك حياة ما دام هناك لقاء، وما دام هناك لقاء تنفتح كل مسارات وقوع الحدث. إنه يعرف أن كل يقين يحمل حدوده في داخله.
ربما كتب الطالبي هذا العمل تمجيدًا لقيمة الوفاء. فبعد المختار السوسي، الذي ظل حضوره مهيمِنًا في الجزأين الأولين من سيرته، يظهر وفاء استثنائي للأديب والسياسي الحبيب الفرقاني الغيغائي، الذي يقدّمه بوصفه شيخًا ومُرشدًا: قارئًا واسع الأفق، قائدًا سياسيًا، أديبًا لامعًا، وصحفيًا متمرّسًا. الأمر نفسه ينجزه مع الفقيه البصري، وعمر بن جلون، وغيرهما.
يحتفي الطالبي، كما في أعماله السابقة، بالمدن والمقامات. فالمدن لا تُعرَّف بمبانيها، بل بالأرواح التي يخلقها ناسها. يعود إلى مراكش بذكريات كلية اللغة، وحماس الثقافة، والعلاقات المنتجة مع عزيز الحبابي، ونجيب بلدي، ورحال الفاروقي، وحسن الزهراوي، ورفاق الرابطة الفكرية. ثم يعبر إلى الدار البيضاء، حيث يتشابك مصيره مع أسماء مدوّية في التاريخ: عمر بن جلون، مصطفى القرشاوي، الوديع الآسفي، محمد اليازغي، عبد الكريم مطيع، أحمد المجاطي، محمد زفزاف، إدريس الخوري… أما باريس، فهي ملاذ الدهشة ويقظة الحواس، وحقل الاحتكاك بالحقائق الموجعة. وإذا كان عنوان الكتاب «باريس، الوجه الآخر»، فإن المتن يذيب هوية المكان، كاشفًا باريس المسكونة باحتقانات المغرب وأسئلته القلقة التي لم يُعثر لها على جواب نهائي.
كان التاريخ دائمًا إحراجًا للحقيقة، وفي هذا العمل تصبح الحقيقة إحراجًا للتاريخ. هنا تكمن الفلسفة المحايثة للنص، التي تدبّر مفاجآته الصادمة. فالكتاب ليس مقاومة لغياب العابر فحسب، بل ترسيخ لمسار الحقيقة وهي تُربك تعثّر التاريخ، ولمسار شبح الحرية حين يصبح خطِرًا ومؤذيًا. وما نملكه هنا ليس بحثًا مشتّتًا عن الذات، بل ذخيرة من الحقائق الموضوعة أمامنا، كما لو أن الطالبي يقول: «انظروا، وفكّروا، واحكموا».
في باريس، الوجه الآخر، لا نتقدّم داخل مدينة، بل داخل اهتزاز فكري عميق، حيث العالم لا يُبنى من يقين صلب، بل من أفكار مضطربة تتصارع في صمت. باريس ليست جغرافيا ولا ذاكرة سياحية، بل مختبر للأفكار حين تفقد استقرارها، وحين يغدو المعنى نفسه كائنًا قلقًا، يتشكّل ثم يتفكك تحت ضغط التجربة. يضعنا الكتاب أمام حقيقة مزعجة: ما نعدّه ثابتًا ليس سوى ترتيب مؤقّت للفوضى.
هذا النص ليس سيرة تُروى، ولا اعترافًا يُستكمل، بل حياة بكل مكرها. حياة لا تظهر في بعدها الأخلاقي السطحي، بل في منطقها العميق، حيث الغايات الجميلة قد تكون أشدّ خطرًا من النوايا الشريرة. فالجمال، حين يتحوّل إلى هدف، يصبح قادرًا على التبرير والخداع، وعلى دفع الذات إلى هاوية لا تنتبه إليها إلا متأخرًا.
إنه كتاب في تمجيد الخطر، لا بوصفه حادثًا عارضًا، بل شرطًا وجوديًا. الخطر هنا ليس ما يهدّد الحياة من خارجها، بل ما يمنحها كثافتها من الداخل. الحرية نفسها تُقدَّم كتهديد: تهديد للطمأنينة، وللاستقرار، وللأجوبة الجاهزة. أما المغامرة فليست نزوة ولا رومانسية، بل ضرورة أنطولوجية. شرط الوجود الكثيف، الوجود الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يغامر بأن يكون. فالتفكير الحقيقي، كما يوحي الكتاب، هو دائمًا تهديد لما نظنه يقينًا.
إنه كتاب في تمجيد الخطر والمغامرة والوفاء.
مراكش، 12 يناير 2026.