عبدالله بوشطارت : من أجل امازيغية ممانعة بالأولوية

ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من الكتابات والتعليقات وشبه مقالات وتدوينات وخواطر، تتحدث عن موضوع شائك ومتشابك، ظاهره بين وباطنه غامض. هذا الموضوع يذبجونه عادة بعناوين مثل الأمازيغية والسياسة، أو الأمازيغية والعمل السياسي أو الأمازيغية والحزب.
ولابد من فهم حيثيات ظهور هذه الكتابات الموسمية في هذا الموضوع، سواء تعلق الأمر بالفاعلين في حقل الأمازيغية أو بفاعلين حزبيين يحاولون التقرب من الأمازيغية او سواء تعلق الأمر ب”مكلفين بمهام” من الطرفين معا.

من حيث السياق، خرجت هذه الكتابات في سياق مرتبط بالكثير من التحولات والديناميات نجملها في :
ديناميات المبادرات الأمازيغية الجادة لتأسيس حزب سياسي بمرجعية حضارية _ ثقافية امازيغية؛
سياق سياسي متسم بالنقاش العام حول قوانين الانتخابات التي من المنتظر أجرائها في السنة المقبلة، باعتبار الأمازيغية قضية سياسية فإنها تعرف هي الأخرى الكثير من الارتدادات وتجادبات التموقع الظرفي وتكالب الاحزاب عليها وعلى الفاعلين في حقلها، استغلالا منهم لوضعية الفراغ السياسي عند الحركة والتشتت التنظيمي، وهو الوضع الذي اشتغلت عليه الاحزاب منذ التسعينيات من القرن الماضي؛

اكتمال المسلسل التشريعي لترسيم الأمازيغية في الدستور بعد استصدار القوانين التنظيمية، قانون المجلس الوطني للغات، وقانون تحديد مراحل الترسيم، ثم خلق اللجنة الوزارية التي ستتولى مهام المتابعة والمراقبة والمواكبة لمدى تفعيل هذه القوانين، وهي اللجنة التي تم المصادقة يوم أمس في المجلس الحكومي على مرسوم احداثها؛ هذا المسلسل التشريعي واكبه نقاش سياسي وحزبي كبير، أظهر للعيان وللجميع ضعف الاحزاب السياسية داخل البرلمان وداخل الحكومة وعدم تملكها لرؤية واضحة وجدية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ولم تفهم بعد جوهر الحقوق الأمازيغية وماهية مشاكلها وامتداداتها داخل المجتمع والدولة، افقيا وعموديا، وذلك ما تتبعناه بعد إقصاء الأمازيغية من قانون البطاقة الوطنية. وكل هذا النقاش افرز واقعا جديدا تحمس فيه البعض للحديث عن الأمازيغية والسياسة؛ لكنه حديث بدون تملك مشروع مجتمعي او برنامج سياسي، بمعنى حديث لا يستهدف جوهر الموضوع.؛

دون أن ننسى المحيط الإقليمي في شمال إفريقيا، حيث بدأت الأمازيغية تربح مسافات واسعة وتسترجع حقوقها السياسية، خاصة في ليبيا والنيجر ومالي، اما الجزائر فقد يخاف المغرب من تكرار نفس التجربة في منطقة القبايل، التي سجلت فيها مقاطعة سياسية شاملة للانتخابات الرئاسية الماضية، وذلك ما يتوجس منه المخزن هنا في المغرب الذي سارع إلى الإفراج عن بعض معتقلي حراك الريف، قبيل الانتخابات، الذي يعرف غليانا صامتا، لكن اضراب الزفزافي واحمجيق عن الطعام، وهما قائدان سياسيان لهم كل الشرعية النضالية داخل الريف والحركة الأمازيغية بشكل عام، استمرارهما في الإضراب قد يؤدي إلى قلاقل كثيرة بين الامازيغ والدولة خاصة أمام تعنت الإدارة.

الآن ما مضمون هذه الأصوات التي تتحدث عن السياسة والامازيغية؟
في البداية، جل الذين يكتبون عن هذا الموضوع داخل الحق الامازيغي، لا يحملون مشروعا سياسيا، وبالتالي تبقى كتابتهم وافكارهم عادية شبيهة بالخواطر الصباحية او المسائية، وفائدتها محدودة في مجال الاستئناس بها، لا غير. وجلهم أيضا منخرطون في طيف جمعوي يعتبرونه هو السقف التنظيمي للاشتغال وتصريف الأفكار والمواقف في حدود ما هو كلاسيكي عند الجمعيات الأمازيغية هو الترافع بلغة البلاغات والبيانات ذات التوقيع المشترك، بعد ظهور بلاغ أو قرار او قانون رسمي من الحكومة يقصي الأمازيغية في قطاع من القطاعات، كما أن المستهدف منها ليس هو القضية أو الحركة او الجماهير او التنظيم، وإنما هو فقط تسجيل الحضور، أو ما يمكن تسميته بفن البروز، تماشيا مع ما ذكرناه في السياق أعلاه، فبعد المصادقة عن القوانين التنظيمية يعتقد بعض الفاعلين في الأمازيغية خاصة ضمن الطيف الجمعوي، أن المخزن سيكرر نفس سيناريو 2001 بالمناداة على بعض النخب وتعيينها في المناصب وتنصيبها على المعاهد، وفق منطق التعيين المخزني.
أما الجزء الآخر، فقد اقتنع بان موضوع الأمازيغية والعمل السياسي يجب أن ينتهي بين أحضان أحزاب قائمة، ولتكون الفعالية أكثر فقد تم التهليل بأحزاب معينة، لا تتلائم مرجعياتها الفكرية والسياسية مع مرجعيات الحركة الأمازيغية ورصيدها النضالي في دعم وارساء الديموقراطية والحرية واستقلالية القرار… وقد شاهدنا في سوس وبعض مناطق الأطلس تسابق بعض الفاعلين في حقل الأمازيغية على عتبات هذه الاحزاب في مشاهد غريبة تحيل على عدم فهم المرحلة السياسية ورهاناتها.
ويظهر لنا بعد قراءة بعض الكتابات واستنباط بعض المواقف وتتبع بعض التجارب الشبه التنظيمية في الميدان، غياب وعي سياسي عميق لدى البعض، خاصة الذين يريدون تفويت التجارب النضالية والديناميات الأمازيغية لبعض الاحزاب التي لا تتوفر على امتداد جماهيري داخل اوساط المجتمع ولا تملك خطاب سياسي واضح، قد يبررون ذلك بنوع من التشخيص المركب لواقع الحركة الأمازيغية تنظيميا وسياسيا وفكريا. تشخيص غير موضوعي لانه يقتصر على عموميات تنتهي بخلاصات سريعة تفيد استحالة بناء حزب سياسي بمرجعية حضارية امازيغية، وإذ نقر فعلا بصعوبة ذلك، فإنه نؤكد أنه ليس مستحيلا، كما أننا ندعو دائما إلى تشخيص جماعي لعمق المشكلة التنظيمية السياسية لدينا، يشارك فيه الجميع بتحديد تام للمسؤوليات وبنقد ذاتي بناء، ليس من أجل المزيد من الشرخ والتشتت ولكن من أجل المزيد من تقريب وجهات نظر حول المشروع السياسي والبرنامج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي نصبو إليه.
وعليه ومن وجهة نظرنا، لابد من الخروج بالخلاصات السريعة التالية:
-إيماننا بان القضية الأمازيغية، قضية سياسية لا يمكن تحقيق مطالبها بدون حلول سياسية، وهذا ما يعنيه ضرورة تأسيس حزب سياسي بمرجعية ثقافية، يغير من النسق الحزبي السياسي القائم في المغرب منذ 1930، ولا يعني شيء آخر ذلك. فالاشتغال داخل المؤسسات رهين بالمرجعية وليس بوجود أشخاص او فاعلين داخل المؤسسات، مهما بلغت تجربة هؤلاء الأشخاص داخل الحركة الأمازيغية؛
– إن خنق الامازيغ تنظيميا وسياسيا من قبل المخزن واحزابه، هي خطة سياسية مذهلة ترمي إلى إفراغ الحركة من الخطاب والمضمون، وتفكيكها تنظيميا حتى لا تتوفر لديهم آليات الضغط السياسي عن طريق تنظيم المواطنين وفق برنامج سياسي يستند على مرجعية أمازيغية تنهل من الثقافة والحضارة والقيم لبناء الشخصية اولا ثم ارساء قواعد الديموقراطية والعدل والمساواة ثانيا، وثالثا توزيع الثروات والموارد على الشعب..
– إن جاذبية المال والسلطة لا تفيد في السياسة والنضال من أجل الديموقراطية وتحقيق مطالب وحقوق الشعوب مثل قضايا التي يناضل عليها الامازيغ كالهوية واللغة والأرض والثروات والحرية وحقوق الجهات، فالنموذج الحزبي المغربي الذي يستند على قوة المال ونفوذ السلطة أظهرت التجارب السياسية انه لا يتوفر على مقومات النجاعة السياسية والامتداد الجماهيري بسبب فقدان اهم عنصر في الحيوية السياسية هو عنصر الثقة. فالاحزاب اليوم تعاني من ضعف كبير في الخطاب والمرجعية والاسلوب والمصداقية، وخطاب الحركة الأمازيغية قادر على استرجاع الثقة للعمل السياسي شريطة توفر الحرية واستقلالية القرار ونخب قادرة على رفع التحدي…