عبدالله بوشطارت : فوجئت ببرقية التعزية التي بعثها الملك إلى عائلةوأصدقاء المرحوم داحماد الدغرني…

صدمت بموت داحماد كثيرا، وفوجئت ببرقية التعزية التي بعثها الملك إلى عائلته وأصدقائه وعموم عائلته الحقوقية الكبيرة، وما جاء فيها من كلمات دقيقة جدا تكريما واحتفاء بالرجل الفقيد. وصفه الملك بالمناضل وبالنبل والكفاءة المهنية. لا شك أن هذه التعزية أزالت وخففت الكثير من الأحزان في نفوس المناضلين الامازيغ الذين تأثروا بفقدان زعيم سياسي كبير من طينة داحماد. الذي عرف طيلة حياته بمواقفه الجريئة التي ينتقد فيها الدولة. كما ستضع البرقية الملكية الكثير من خصوم الزعيم الفقيد في وضع محرج للغاية.
وبسبب المواقف والمبادئ التي كان يحملها دا حماد والجراة في التعبير عنها، تم تسويق صور نمطية كثيرة على الرجل طيلة حياته، واستمر البعض في الترويج لها بعد مماته، من قبيل كونه متطرفا، وعرقيا ومعارض سياسي للنظام… وقد دفعت هذه الصور النمطية المرسخة في الصحافة وداخل الأوساط والصالونات الضيقة، الكثير من النخب والفعاليات المدنية تقطع علاقاتها بالمرة مع الاستاذ داحماد، بل تدعو الآخرين بالسير على نفس المنوال، ومنهم بعض المحسوبين على الأوساط الأمازيغية، التي تدعو إلى مقاطعة الدغرني لأنه يثير المشاكل مع السلطة والاجهزة، وذلك ما جعل بعضهم لا يستطيع زيارة الدغرني في مكتبه ومنزله، وقد تم تدييع اشاعات ملفقة مفادها ان كل من زار مكتب الاستاذ الدغرني يتم تصويره وسيتم ملاحقته فيما بعد عقابا له، وقد سمعت هذه الإشاعات في الأيام الأولى بعد استقراري بالرباط. وانتشرت حملة التخويف من الاستاذ الدغرني في كل مكان، عشت معه شخصيا الكثير من المواقف التي تؤكد هذا الكلام مع أشخاص كثر، كانت لهم علاقة مع الدغرني، وبعد أن حصلوا على منصب او شغل أو وظيفة، يقطعون معه العلاقة الاجتماعية ويتفادون السلام عليه والجلوس معه في الفضاءات العامة. ليس لان دا حماد تخاصم معهم وإنما هم يعتقدون أن الجلوس والحديث معه سيتسبب لهم في مشاكل داخل العمل. وكم من مرة طلب مني بعض الأشخاص الإبتعاد عن داحماد لكي “لا اخرج على مستقبلي”، وحينما اخبره بذلك يضحك كثيرا. وقعت طرائف كثيرة في هذا الموضوع لا داعي لذكرها.
لا أعرف بماذا سيشعر هؤلاء وهم يقرأون ما جاء في البرقية والتعزية الملكية.؟

ولا بد أن أذكر انه، بعد دخولي إلى التلفزيون كمتدرب قبل تأسيس القناة الثامنة، وبعد مرور أيام قليلة قال لي المرحوم فضلي رئيس التحرير آنذاك، إن بعض الأشخاص داخل التلفزة، جاءوا عنده وحذروه مني ومن بعض المتدربين الآخرين أننا من (مجموعة الدغرني) وأننا من اتباعه، قلت له طبعا هذا صحيح، وكان المرحوم فضلي رحمه الله يستهزأ من تلك الاقاويل لانه هو الآخر كان منتميا للاتحاد الاشتراكي منذ زمان، ولا يتوجس من المعارضة.
واستمرت تلك الصور النمطية مدة طويلة، وبعد مرور الايام بدأت تتلاشى. لأنها اصلا ليست حقيقية، ولكن داحماد فطن لهذه المؤامرة التي يكرسها البعض، حيث يتم تسويق صورة داحماد باعتباره متطرفا و”انقلابيا”، لتخويف الدولة لاستدامة الاستفادة من المناصب والأموال والامتيازات. ذات مرة في مقر فرع تامينوت بالرباط الكائن بحي اكدال زنقة ملوية، (على ما اعتقد) نظمت مائدة مستديرة، بمشاركة بعض أعضاء مجلس الإداري للمعهد والمرحوم داحماد، بدأ المنتمون للمعهد الحديث بنبرة حادة حول التراجعات عن المكتسبات وغياب الأفق ومحدودية عمل المعهد… وحدث أن ذلك له صلة بقرار إلغاء الازدواجية في الانتماء للمجلس الإداري والأشتغال كباحث داخل المعهد وذلك ما يعني إسقاط منحة وتعويضات العضوية في المجلس الإداري. وحين اخذ داحماد الكلمة قال لهم ” زرات ماغاتسكارم كرا ن المتطرف ن الجديد ما ساتسيودم المخزن،”. ما معناه ان داحماد فطن للمداخلات التي تنوي تجييش القاعة وتوريط داحماد للهجوم على المعهد الذي لا ينتمي اليه وليست له أية علاقة به.
مجمل القول أن البعض يستفيد من جرأة داحماد ومن السقف الذي يرفعه في التحليل والمقاربة والنقد لتخويف بعض الأوساط المخزنية واقناعها باستمرار نوع من “الريع الامازيغي”. لكن حقيقة الأمر داحماد الدغرني يشتغل بحسه النقدي وبنفسه النضالي الجريء لتعزيز الديموقراطية والمساواة وتشييع ثقافة حقوق الإنسان، المبنية على الإيمان بالحوار والاختلاف في الموقف والقدرة على التعبير عنه بحرية.
إن هذه الخصال والقيم التي يحتاجها الملك والوطن اليوم لبناء مغرب جديد يدبر فيه الاختلاف بالعقل والحوار، إن الوطن اليوم يحتاج إلى من يقول الحقيقة كما هي، وليس لمن يبرر ويتملق للحفاظ على المصالح الشخصية والمناصب، إن المرحوم أحمد الدغرني يقول الحقيقة من أجل الوطن ومستقبل المغرب، إنه رجل وطني صادق، تأسيسه للحزب السياسي بمرجعية امازيغية بالرغم من أنه ممنوع إلا أنه نجح في خلق التوازن بين الدولة والمجتمع، إن تأسيس حزب في حد ذاته هو المساهمة في إيجاد الحلول والرغبة في الاشتغال داخل المؤسسات. دا حماد يقول دائما السياسة التي لا تعطي حلول لمشاكل الناس اليومية ليست سياسة.
في آخر زيارة لداحماد، وهو طريح الفراش، سألني بصعوبة في الكلام، هل سمعت للخطاب الملكي الاخير (افتتاح الدورة التشريعية)، قلت له نعم. سكت ثم قال : “بنموسى إيدا” بحكم اندهاشي كيف له وهو في هذا الوضع الصحي أن يسألني هكذا سؤال، قلت له : “مان بنموسى” نطق بصعوبة أيضا، وقال ” وين النموذج التنموي”. وبعد ذلك عرفت أن داحماد طلب من الشاب الذي كان يساعده في المنزل أن يقرأ عليه نص الخطاب الملكي كاملا.
أما موضوع لجنة النموذج التنموي وتعيين بنموسى عليها ونظرة دا حماد لها فيستحق العودة إليه بالتفصيل.