طاولة جنيڤ..قراءة الباحث في شؤون الصحراء / عمر افضن

الحديث مرة أخرى عن ملف الصحراء ، يجعلنا نتمعن النظر في آليات تدبيرها من خلال مواقف أطراف تعتبر نفسها معنية وفق مرحلة تاريخية لايمكن فصلها عن تداعيات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي الليبرالي، ومازالت مستمرة إلى اليوم من خلال تضارب المصالح الاستراتيجية للقوى الإقليمية بالمنطقة ، وحتى نفهم دواعي الحديث عن استئناف هدا اللقاء في جنيف، بحسابات لا تختلف كثيرا عن موتمر مدريد حينها كانت الصحراء ، تحت نفود الإدارة الإسبانية ، وبعيدا عن الديماغوجية ، وتوهيم شعوب المنطقة بخطابات الحلول الممكنة ، لابد من استقراء التاريخ، لفهم الحاضر، للبحث عن توقعات المستقبل ، لهدا ارتاينا لسرد بعض التوضيحات رفعا للبس ، وسندلي من خلال مقالنا ببعض الملاحظات لعلها تتير النقاش وتوضح المفاهيم ومنها :

أولا: لقاء جنيڤ ، اختلف فيه الأطراف حول تسميته بين وجهة نظر مختلفتين ، فالمغرب يعتبره فقط مائدة مستديرة ، بينما البوليساريو البعثي ، يشكل بالنسبة إليه استئناف المفاوضات، وأصبح الاختلاف بعيدا كل البعد عن مفهومها التاريخي والصريح في القانون الدولي ، فمصطلح مائدة مستديرة ، ليس إلا صورة طبق الأصل للمفهوم الامازيغي ل “تلمرفعت”، اي مائدة لاراس لها ولا ارجل ، ويتم استحضاره في قسمة الكعكعة “الطاجين” بالتساوي ، وهو المعنى الأقرب بمفهومها الغربي في القانون الدولي الدي تعني لقاء يكون فيه الحل الوسط لا غالب ولا مغلوب واخدت الفكرة من أسطورة طاولة الملك البريطاني ارثر المستديرة لايتسع المقال لسرد تفاصيلها التاريخية .

ثانيا : أن لقاء جنيڤ يتميز ولأول مرة بحضور أطراف اصلا ارتبطت بملف الصحراء، اولا لان مشكل النزاع يعنيها ويدخل في إطار مرحلة تسوية ملف الصحراء مند ستينات القرن الماضي، سواء تعلق الأمر بالجزاىر ولا موريتانيا، فلم يشكلا كياناتهم الا بعد تقسيم الصحراء، غير أن لغة التعبير المتداولة بين وفود المغرب والبوليساريو البعثي ، تختلف من حيث وجهات النظر وتصورها حول حضور الجزائر وموريتانيا، فالمغرب يرى أن حضور الجزائر مهم ومعني بمنطقة النزاع ويعتبر انها هي الداعمة للبوليساريو غير الطرف الآخر يرى أنها دول معنية بحكم الجوار ، إلا أن التاريخ ينفي ذلك فهي معنية لاعتبار أن وضع الصحراء تحت النفود الاسباني لم تكن موريتانيا موجودة كما الجزائر ، في حين كانت البوليساريو انداك تشكل حركة من أجل تحرير الساقية الحمراء وواد الدهب كانت قائمة الدات، ونعني بها كفاح امازيغ الصحراء من أجل إجلاء الاستعمار الإسباني، وليس لبناء كيانات عربية وإسلامية ، كما يبدو الوضع حاليا..

ثالثا: لقاء جنيڤ يظهر ومن خلاله أن العملية التفاوضية تبين إخلال بالوضع العام الصحراء من حيث التمثيلة تم فيه الاقتصار على وفد دو حمولة فكرية عروبية ، فالمغرب استعان بممثلين من الأحزاب السياسية المغربية تحت غطاء القبلية ، مراعاة لمشروع الجهوية وتمثيلها بالعنصر الحساني ، في حين تم تغييب تام المكون الامازيغي المحاصر سياسيا حيث منع عليه التنظيم السياسي والمشاركة في تمثيل السكان، اما البوليساريو البعثي هي الأخرى اكتفت بنفس التركيبة على مستوى القبيلة والدم وهي خصوصية مشرقية ..والجامع بين هده الوفود انها اصلا ليس لها إجماع في تمثيل المكونات المتعددة في الصحراء ، كما أن بعض المفاوضين كانوا صغار السن ، ولم يعاينوا وضع الصحراء، فبستثناء المبعوث الشخصي للامم المتحدة الرئيس الألماني السابق كولر الدي ازداد في الاربعينيات فان الأغلبية من الحاضرين لم يعاصروا يوما وضع الصحراء، وهو ما يجعل اللقاء دو طابع دردشة ، أو كما اختصره الوزير الجزاىري لقاء للضحك ..

اجمالا، أن لقاء جنيڨ حسب اعتقادنا هو صورة مصغرة للقاء مدريد ، حيث أن هدا الاخير حضرت فيه إسبانيا، والمغرب ، وموريتانيا، في حين غابت عنه الجزاىري انداك ، بينما غابت إسبانيا اليوم في لقاء جنيڤ مع حضور موريتانيا والجزائر والمغرب ، وهو ما يعني بمنطق الرياضيات ، أن إسبانيا سيكون لها وقع على هده المفاوضات مادام أن موضوع المحادثات هو تسوية الملف بنفس اليات كان آخرها الحكم الذاتي الدي اقترحته حكومة فرانكو ،ورفضته أطياف متعددة في الصحراء انداك التي التحق معظمها بالمغرب، فالقاسم المشترك بين الامس واليوم هو تكرار الاسطوانة المشروحة للبوليساريو البعثي وهي حق تقرير المصير دون الكشف عن طبيعته ، ولا يعني بالضرورة مفهوم الاستقلال..فالطاولة المستديرة للقاء جنيڤ إنما هي تمهيد لتقسيم الكعكعة ، لكن في وضع جد متأخر مادام أن المعنييون امازيغ الصحراء ، على وعي بضرورة تدبير ملف الصحراء باشراكهم في العملية السياسية التي تعنيهم تحت مسمى ملف افني والصحراء.
بقلم / عمر افضن