“ضريبة المسجد” أو “زكاة المسجد “.. حل لمشكلة التمويل الخارجي لمساجد ألمانيا

أتيك ميديا/بتعاون مع دويتشه فيله (DW)

الكنائس يتم تمويلها في ألمانيا عبر ضرائب تجمعها الدولة من اتباعها فيما المساجد تمول من قبل تبرعات قادمة من الخارج. فهل يمكن “لضريبة المسجد” أو “زكاة المسجد “على غرار ضريبة الكنائس، أن تقلل من تبعيتها لتأثيرات الخارج؟

تمويل المساجد من خارج ألمانيا يطرح نفسه مجددا على بساط البحث، بعد أن اقترحت المحامية سيران أطيش، مؤسسة مسجد “ابن رشد ـ غوته” الليبرالي في برلين، فكرة فرض ضرائب على المسلمين من رواد المساجد، على غرار ضريبة الكنائس للمسيحيين، بهدف ضمان تمويل داخلي للمساجد في المدن الألمانية، بدلاً من التمويل الخارجي للكثير منها عبر دول خارجية، مثل تركيا، أو عبر مؤسسات تابعة لدول، مثل السعودية ودول خليجية أخرى.

وقالت أطيش في تصريحات لصحيفة “فيلت” الألمانية الصادرة اليوم الأربعاء (26  ديسمبر 2018): “كل ما تحتاجه المساجد من الممكن تدبيره في المستقبل من الأعضاء أنفسهم”. في إشارة إلى النقاش الساخن، الذي يجري في البلاد حول مدى تأثير الخارج على المساجد وروادها عبر تمويلها مالياً.

يشار إلى أن الدولة الألمانية تجمع ضرائب الكنيسة من أتباعها طواعية، أي أن كل من يسجل نفسه بأنه تابع لكنيسة معينة عليه أن يدفع ضريبة الكنيسة في إطار الاستقطاعات الضريبية مع الراتب الشهري أو مع تصفية الحسابات السنوية مع دائرة الضرائب. وعلى خلاف الكنائس، لا تجمع الدولة الألمانية ضرائب للمساجد.

ضريبة أم زكاة المسجد

موضوع التمويل الذاتي للمساجد ليس جديداً، حيث تمت مناقشته عدة مرارات في محافل عديدة، كان آخرها محفل “مؤتمر الإسلام” الأخير تحت إشراف وزارة الداخلية وبرعاية وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر. كما أن مواقف السياسيين ليست بالجديدة أيضا، فالتحالف الحاكم الذي يتألف من المحافظين بزعامة ميركل والاشتراكيين يؤيد الفكرة، حيث قال نائب رئيس كتلة حزب ميركل في البرلمان الألماني تورستن فراي في حديث مع موقع صحيفة “فيلت” إنه يؤيد الفكرة لأنها تهدف إلى تحرير المساجد من تبعية الارتباط بالخارج عبر تمويلها.

وكذلك يضمن التمويل الضريبي للمساجد توجها داخليا للمساجد وفق ضرورات الحياة الاجتماعية داخل المجتمع الألماني، حسب رأي السياسي المحافظ فراي.

كما يؤيد هذه الفكرة عضو لجنة الشؤون الداخلية في كتلة الحزب الاشتراكي في البرلمان الألماني بوركهارد ليشكه ويعتبرها أساساً جيداً لنقاش واسع حول الموضوع. إلى ذلك جاءت ردود فعل إيجابية من حزب الخضر داعمة لفكرة ضريبة المساجد.

من جانبه، لا يجد المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا صعوبة في التعامل مع الفكرة بإيجابية، إلا مع اختلاف بسيط في تسمية الضريبة، حيث يقول عبد الصمد اليزيدي، أمين عام المجلس الأعلى للمسلمين في المانيا ومن نشطاء المجلس على مستوى ألمانيا في حديث مع DW عربية إن تسمية “ضريبة مسجد” قد لا تجد قبولا لدى المسلمين، ولكن تسمية “زكاة المسجد” تجد رواجاً واسعاً بينهم وسهل القبول بها. كما يشترط اليزيدي أن تكون الضريبة أو زكاة المسجد طواعية وغير إجبارية على المسلمين.

“القائمون على المساجد يفتقرون للمهارات الإدارية”

ويؤكد عبد الصمد اليزيدي من جانب منظمته، التي تضم الكثير من المساجد في مختلف المدن الألمانية، على أن تمويل المساجد التابعة للمجلس المركزي للمسلمين يتم من داخل ألمانيا، وليس هناك أي تمويل خارجي لحد الآن، حسب تعبيره. ويشير المتحدث إلى أن المجلس المركزي قد دعا قبل سنوات عديدة إلى ضمان تمويل داخلي للمساجد في ألمانيا تحت إشراف الدولة الألمانية، إلا أن المسؤولين تجاهلوا الأمر وذلك بسبب أن العلاقات التركية الألمانية كانت لعقود جيدة جدا، وكانت الجهات الألمانية سعيدة بتولي الحكومة التركية عبر وزارة الشؤون الدينية أمر الإشراف والتمويل للمساجد التركية في ألمانيا وأئمتها. لكن، والكلام مازال للمتحدث عبدالصمد اليزيدي، تغير الوضع بعد تدهور العلاقات السياسية بين برلين وأنقرة وليكتشف الساسة الألمان أن هناك مشكلة تمويل خارجي وتأثيراً خارجياً على المساجد.

من جانبه، يؤيد الناشط العراقي والفنان التشكيلي أنور حسين في حديثه مع DW عربية فكرة الضريبة ويعتبرها ضرورية، لكنه يشكك في قدرة المساجد على التعامل القانوني مع أموال ضرائب المسلمين. ويوضح أنور حسين، وهو عضو في جمعية إدارة الجمعيات الإسلامية العراقية في المانيا وكان يرأس أيضا جمعية ثقافية إسلامية في بون لمدة أكثر من خمس سنوات، شكوكه بالقول: إن معظم المساجد، خصوصاً الصغيرة منها، تفتقر إلى البنى التحتية، فيما يخص تنظيم شؤون المالية وغيرها وذلك نظرا لافتقار القائمين عليها على الخبرة التنظيمية والكفاءة الأكاديمية لإدارة مثل هذه المؤسسات، وكما تطالب بذلك القوانين الألمانية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع أموال الضرائب، حسب تعبيره.

بيد أن عبدالصمد اليزيدي يرد على هذا الاعتراض بالقول: “إن المجلس الأعلى للمسلمين قادر على أن يتولى أمر إدارة أموال الضرائب أو الزكاة وذلك نظرا لتوفره على الكفاءات الإدارية والأكاديمية لتنظيم الملفات المالية للمساجد وفق للقوانين المرعية في البلاد.

في هذا السياق، تجب الإشارة إلى أن خبراء وزراء الداخلية الألمانية ينظرون بعين الريبة أيضا لمشروع جمع الضرائب للمساجد من قبل الدولة على غرار ضريبة الكنائس، وذلك لنفس الأسباب المذكورة أعلاه، وخصوصاً قلة كفاءة الإدارات في المساجد في معظم المدن الألمانية، حسب رأيها.

تمويل المساجد والتبعية للخارج!

لكن الناشط العراقي أنور حسين يخشى أن تؤدي “ضريبة المسجد” إلى تدخل الدولة الألمانية في الشؤون العقائدية للمساجد الإسلامية، وهو أمر يرفضه المسلمون عموماً، وبغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو المذهبي. ويشير أنور حسين إلى أن معظم المساجد يتم تمويلها ذاتياً، لكنه يشير أيضا إلى تبرعات قادمة من خارج ألمانيا، مثلا إذا حضر أحد السياح الخليجيين للمسجد وعبر عن استعداه للتبرع له، “فلماذا نرفض ذلك؟”، يقول حسين.

ويوضح أنور حسين أن التبرعات المالية يجب ألَّا يجري فهمها على أنها تسبب ارتباطاً سياسياً، مشيراً إلى الارتباط بمراجع دينية خارجية، سواء أكانت المراجع في السعودية أو في العراق أو في إيران، ولذلك فإن الارتباط هنا يكون فقط في القضايا العقائدية ولا ينتقل إلى الجانب السياسي. وأوضح حسين أن الكاثوليك في ألمانيا مثلا يرتبطون عقائديا ببابا الفاتيكان، ولكن سياسيا يتبعون مناهج أحزاب بلادهم في ألمانيا. ونفس الشيء يمكن قوله فيما يخص المسلمين. أتباع المراجع الدينية في الخارج شيء والمواقف السياسية داخل ألمانيا شيء آخر مختلف تماما، ويتبع الفهم الشخصي للأمور وخاضع لتطورات الأمور في ألمانيا وليس في بلد المرجعية، يؤكد حسين.

كما أشار الناشط العراقي إلى أن وزارة شؤون العائلة الاتحادية بدأت منذ مطلع العام الجاري 2018 إلى تمويل مشاريع عديدة تقوم بتنفيذها المساجد سواء في مجال توفير البنى الإدارية والكفاءات لقيادة المساجد وتنظيم نشاطاتها المختلفة وبشكل يتطابق مع القوانين المرعية، وهي فرصة جيدة لتنمية القدرات والكفاءات المحلية لإدارة المساجد، وفق منطق القانون الألماني، كما يقول أنور حسين. ويبلغ حجم التمويل المالي للمشاريع التي تنفذها المساجد حوالي 300 ألف يورو سنوياً، حسب معطيات الناشط العراقي.

يذكر أن حصول المساجد على أموال ومساعدات من الدولة حتى الآن يقتصر في حالات تمويل مشروعات معينة، مثل دعم اندماج اللاجئين المسلمين في المجتمع أو إبعاد الشباب السلفي عن التيار المتطرف. ومن المتوقع أن يأخذ ملف تمويل المساجد بعداً أوسع في النقاش السياسي في المستقبل وفي ذلك أيضا في إطار مكافحة التطرف والإرهاب الإسلاموي وتحجيم الإسلام السياسي في التأثير على حياة المسلمين في ألمانيا وأوروبا.