Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

حكم يثير أسئلة العدالة وحدود الاختصاص: قراءة قانونية في متابعة رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام

أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش، صباح يوم الجمعة 16 يناير، حكمها في الشكاية المباشرة التي تقدم بها ضدي، بصفتي رئيسًا للجمعية المغربية لحماية المال العام، النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار يونس بنسليمان، المتابع قضائيًا في ملفات لها علاقة بالفساد وغسل الأموال.

نص الحكم باختصار:

في الشكل، قررت المحكمة رفض طلب إيقاف البت وردّ الدفوع الشكلية المثارة، وبالتالي قبول الشكاية المباشرة.

وفي الموضوع، قضت في الدعوى العمومية بعدم مؤاخذتي من أجل جنحة السب والحكم ببراءتي منها، وبمؤاخذتي من أجل جنح بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة من أجل التشهير بالأشخاص، والقذف، وانتهاك سرية التحقيق، مع الحكم بثلاثة أشهر حبسًا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها 1500 درهم.

أما في الدعوى المدنية التابعة، فقد صرّحت بعدم الاختصاص في المطالب المدنية المتعلقة بجنحة السب، وقبلت شكلاً وموضوعًا المطالب المدنية المرتبطة بباقي الجنح، وحكمت بتعويض مدني قدره 20.000 درهم، مع إرجاع الوديعة وتحميل المحكوم عليه صائر الدعويين دون إجبار، ورفض باقي الطلبات.

تعقيب على الحكم:

رغم العيوب الشكلية الواضحة التي أثارها الدفاع وسجّلها بمحاضر الجلسات، قبلت المحكمة الشكاية المباشرة شكلاً، رغم ما شابها من إخلالات قانونية. كما اقتنعت بثبوت جنحة توزيع ادعاءات ووقائع كاذبة من أجل التشهير، دون أن تكلف نفسها عناء استدعاء شهود اللائحة التي أدلينا بها وفق ما يقره القانون، لمناقشة مدى صحة تلك الوقائع من عدمها.

إن رفض المحكمة استدعاء الشهود، دون تعليل مقبول ودون الاستماع إلى شهاداتهم، يشكل في تقديرنا انتهاكًا صريحًا لشروط المحاكمة العادلة، وانتصارًا لرواية المشتكي على حساب حقوق الدفاع. فبهذا السلوك، جُرّدتُ، كمشتكى به، من وسيلة أساسية للدفاع عن نفسي دون موجب قانوني، في سابقة خطيرة تمس جوهر الحق في الدفاع المكفول دستوريًا وقانونيًا وحقوقيًا، وتتعارض مع قرينة البراءة التي تفرض تمكين المتابع من عرض وسائل الإثبات المتاحة له، وعلى رأسها شهادة الشهود.

الأكثر إثارة للاستغراب، أن المحكمة اقتنعت بكون الوقائع موضوع المتابعة “كاذبة”، في وقت لا تزال فيه نفس الوقائع معروضة على غرفة الجنايات الابتدائية لدى محكمة الاستئناف بمراكش، حيث يُتابَع المشتكي نفسه بجنايات تتعلق بتلقي فائدة في عقد وتبديد أموال عمومية وغيرها. وبهذا تكون المحكمة الابتدائية قد حسمت، ضمنيًا، في صحة وقائع معروضة على هيئة قضائية أعلى درجة، وسبقت غرفة الجنايات في الفصل فيها، رغم أن ذلك لا يدخل ضمن اختصاصها القانوني.

كما رفضت المحكمة طلبنا بإيقاف البت في الشكاية المباشرة إلى حين صدور حكم غرفة الجنايات، وهو طلب كان من شأنه تفادي هذا التداخل الخطير في الاختصاصات، واحترام مبدأ تراتبية القضاء.

أما بخصوص ما اعتبرته المحكمة “انتهاكًا لسرية التحقيق”، فقد تم ذلك دون أي دليل، مع أن الأمر يتعلق بقضية تهم الشأن العام والمجتمع، وليست شأنًا خاصًا. فقضايا تبديد أملاك الدولة وبرنامج “مراكش الحاضرة المتجددة” معروفة لدى العموم، ومتداولة على نطاق واسع، وأصبحت قضية رأي عام قبل عرضها على القضاء. وتناولها من طرف الصحافة والجمعيات الحقوقية والمواطنين لا يشكل، بأي حال، خرقًا لسرية التحقيق.

لقد سبق للجمعية المغربية لحماية المال العام أن تقدمت بشكايات في هذا الإطار، وحصلت على وثائق رسمية تثبت استغلال منتخبين ومسؤولين لمواقع السلطة لخدمة مصالحهم الخاصة ومراكمة ثروات مشبوهة. وهي الوثائق نفسها التي وُضعت رهن إشارة المحكمة الابتدائية، غير أنها تغاضت عنها ولم تولها أي اعتبار، رغم اقتناع قاضي التحقيق والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش بصحة تلك الوقائع، وإحالتهما المتهمين، ومن بينهم المشتكي، على غرفة الجنايات الابتدائية.

إن ما أقدمت عليه المحكمة الابتدائية يطرح سؤالًا قانونيًا جوهريًا: ماذا ستفعل غرفة الجنايات الابتدائية، وهي تنظر في نفس الوقائع، بعد أن حسمت فيها محكمة أدنى درجة؟

إن هذا الحكم سيكون، لا محالة، موضوع طعن بالاستئناف خلال الأسبوع المقبل. ونؤكد للرأي العام أن التضييق والتهديد لن ينالا منا في الجمعية المغربية لحماية المال العام. نحن مناضلون ولسنا لصوصًا، وسنظل أوفياء لرسالتنا الحقوقية والوطنية في مكافحة الفساد ونهب المال العام والإثراء غير المشروع، والمطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة.

هذه معركتنا جميعًا. فالفساد يهدد الدولة والمجتمع ويكلفنا الكثير. والسؤال الذي يظل مطروحًا بإلحاح:

هل تتوفر إرادة سياسية حقيقية لتخليق الحياة العامة وبناء دولة الحق والقانون؟

محمد الغلوسي

رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.