Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تيزنيت خارج القوالب: حين يصبح الفعل المعرفي حوارًا حيًّا

تيزنيت، في حقيقتها لا في الصورة النمطية المرسومة عنها، تواصل إنتاج أشكال مميزة من الفعل الثقافي والمعرفي، وتفرز فاعلين يشتغلون من منطلق الاختلاف لا من داخل القوالب الجاهزة. اختلافٌ يتجلى بوضوح في طرائق التفكير، وفي كيفية صياغة المعرفة ونقلها إلى الآخرين، بما يجعل المدينة فضاءً حيًّا للتجريب الثقافي والفكري.

في هذا السياق، لفتت الانتباه مداخلة الأستاذ والباحث محمد أبوري خلال البث المباشر لحفل توقيع كتب شباب المدينة. ولم يكن هذا الانتباه نابعًا من مضامين كتابه أو من إحالاته التاريخية والرمزية—وهي أمور تستدعي قراءة العمل ذاته—بقدر ما كان مرتبطًا بالتصور الذي قدمه حول طبيعة الفعل المعرفي وعلاقته بالقارئ.

قدّم أبوري كتابه بوصفه محاورة، لا خطابًا أحاديًا، فاختار أن لا يتموقع كمالك للحقيقة، بل كطرف مشارك في بنائها. بهذا الاختيار، يكسر منطق السرد الأكاديمي المغلق الذي يميز كثيرًا من الإنتاجات العلمية، ويفتح النص على أفق التفاعل والتشارك. كما أشار إلى أن أسلوب الكتاب أقرب إلى منطق “البودكاست” من حيث الإيقاع وطريقة تدفق الأفكار، وهو تشبيه دال على وعيٍ عميق بتحولات أنماط التلقي المعاصرة.

وتوقف الباحث كذلك عند مسألة اللغة، مميزًا بين اللغة الأكاديمية الثقيلة واللغة الخفيفة. فالأولى، بما تراكمه من اصطلاحات وتعقيد تركيبي، غالبًا ما تُنشئ مسافة بين النص والقارئ، بينما لا تعني الثانية تسطيحًا أو إخلالًا بالعمق، بل إعادة ترتيب العلاقة بين المفهوم والتعبير على نحو أكثر وضوحًا وتواصلاً. هذه الاختيارات ليست شكلية، بل تعكس إدراكًا واعيًا بأن الكتاب لم يعد مجرد وعاء للتراكم أو الأرشفة، بل فعلًا تواصليًا حيًّا، يدعو القارئ إلى المشاركة ويعيد تشكيل العلاقة بين الكاتب والمتلقي.

من خلال هذه المداخلة، يتجلى نموذج باحث مختلف، سواء على مستوى الخطاب أو الصورة. باحث لا يستثمر سلطة اللغة الثقيلة، ولا يستعير هيئة الأكاديمي التقليدي، بل يقدم ذاته ضمن تصور معرفي أكثر تحررًا، حيث يصبح الشكل امتدادًا للمضمون، وتتحول الفلسفة البحثية إلى ممارسة ملموسة، حتى في التفاصيل الرمزية، من قبيل الهندام.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا التناول يستند إلى بث مباشر مجتزأ، ركّز على مداخلة واحدة، ولا ينتقص من قيمة بقية الاجتهادات أو المشاركات، بل يصف فقط ما أتاحه البث للمتابعة. أما الملاحظة النقدية الوحيدة المطروحة، فترتبط بجودة البث نفسه، التي لم ترقَ إلى قيمة الحدث ولا إلى مستوى النقاش الدائر، ما حدّ من إمكانية مشاركة جمهور أوسع، خصوصًا أولئك الذين يرغبون في متابعة الحدث مع الاحتفاظ بصورته خارج سياقه الزمني والمكاني.

هنيئًا لنا بهذه الإنتاجات، وبهذا النموذج المعرفي الجديد، الذي يفتح آفاقًا مختلفة للفعل الثقافي والفكري في مدينتنا، ويؤكد أن تيزنيت لا تزال قادرة على أن تكون مختبرًا حيًّا للاختلاف الخلّاق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.