Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

ترمت (TIRAMT) : بين دلالة الغذاء وزمن النضج ،مقاربة لغوية-تاريخية في الجذور الأمازيغية والعربية.

بقلم الاستاذ ابراهيم فلاح.

تُعدّ لفظة ترمت / تيرمت (TIRAMT) من الألفاظ الدالة التي تختزن في بنيتها ومعناها طبقات متعددة من الذاكرة اللغوية والثقافية، حيث تتقاطع فيها الدلالة الغذائية بالدلالة الزمنية، ضمن سياق أمازيغي-عربي متوسطي قديم، يمتد من سوس وواحات الجنوب المغربي إلى المشرق العربي وجنوب الجزيرة العربية.

أولًا: البنية الصرفية والدلالة الأمازيغية

تنتمي كلمة تيرمت من حيث القالب الصرفي إلى النسق الأمازيغي القديم، حيث تحضر:

التاء الأولى بوصفها أداة تعريف وتأنيث،

والتاء الأخيرة كتاء تأنيث بنيوية، وهو قالب شائع في المعجم الأمازيغي، خصوصًا في المجال المصمودي.

من حيث الدلالة، ترتبط الكلمة بالجذر ر م، وهو جذر حاضر في الأمازيغية والعربية معًا، ويفيد الأكل بكثرة أو الامتلاء. وعليه، تُحيل تيرمت في الاستعمال السوسي إلى وجبة طعام، غالبًا مرتبطة بمناسبة زمنية أو مرحلة فلاحية، وتُستعمل أيضًا صيغة ترمطت للدلالة على نوع من النباتات، في انسجام مع الحقول الدلالية المرتبطة بالغذاء والزراعة.

ثانيًا: الجذر (ت ر م) والدلالة الزمنية-الزراعية

تظهر الدلالة الثانية للفظة ترمت ضمن المعجم الزراعي المغربي القديم، خاصة في الواحات، حيث لا تحيل الكلمة إلى الطعام، بل إلى الوقت أو المرحلة الزمنية، ولا سيما الزمن المناسب للحصاد أو الجني أو الاستعمال.

هذه الدلالة الزمنية ليست معزولة، بل نجد لها امتدادًا واضحًا في لهجات عربية مشرقيّة، خصوصًا في اللهجة اللبنانية، حيث يُقال:

«حان ترمك»

أي: حان وقتك أو آن الأوان.

وهو ما يفتح الباب أمام الرجوع إلى أصول أقدم، في جنوب الجزيرة العربية ولهجات اليمن، بل وحتى في المعجم السبئي، حيث يرتبط الجذر ت-ر-م بدلالات التوقيت، الاكتمال، والبلوغ.

ثالثًا: السند في العربية الفصحى

تتأكد هذه القراءة المزدوجة عند الرجوع إلى المعاجم العربية، إذ نجد الفعل:

رمَ الطعامَ بمعنى أكله، وهو ما يمنح الدلالة الغذائية سندًا فصيحًا واضحًا. وفي المقابل، تُحيل مشتقات الجذر في استعمالات أخرى إلى معنى البلوغ والتمام، وهي معانٍ زمنية في جوهرها.

رابعًا: وحدة الدلالة في تنوّع الألسن

يتبيّن من خلال تتبع الاستعمالات الأمازيغية والعربية، الفصيحة واللهجية، أن ترمت / تيرمت تجمع بين:

دلالة الأكل (الوجبة، الغذاء، الامتلاء)،

ودلالة الوقت (الحين، الأوان، مرحلة النضج).

وهذا الجمع ليس اعتباطيًا، بل يعكس منطق المجتمعات الزراعية القديمة، حيث يرتبط الطعام بالزمن: زمن الحصاد، زمن النضج، وزمن الاستهلاك.

خاتمة

إن لفظة ترمت (TIRAMT) تمثل نموذجًا دالًا على التراكم اللغوي والحضاري في المجال الأمازيغي-العربي، حيث تتداخل الجذور، وتتقاطع الدلالات، ويستمر اللفظ حيًا عبر القرون محتفظًا بوظيفتين مركزيتين: الغذاء والزمن. وهي بذلك شاهد لغوي على وحدة عميقة بين اللغة، الأرض، والعيش اليومي في فضاء سوس والواحات والمشرق العربي على حد سواء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.