باحث في القانون…توقيف مجلس جهة كلميم واد نون تثير العديد من الغموض القانونية

اثار قرار توقيف مجلس جهة كلميم واد نون لمدة 6 اشهر الكثير من الجدل، واستندت السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية الى الفقرة الأولى من المادة 77 من القانون التنظيمي للجهات على وجه الخصوص، وهي المادة التي تنص على أنه “اذا وقع توقيف أو حل مجلس الجهة أو إذا استقال نصف عدد اعضائه المزاولين مهامهم على الأقل، أو إذا تعذر انتخاب أعضاء المجلس لأي سبب من الأسباب، وجب تعيين لجنة خاصة بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، وذلك داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوما الموالية لتاريخ حصول إحدى الحالات المشار إليها” وقد ورد لفظ “توقيف” في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات 9 مرات، منها ثلاث مرات متعلقة بتوقيف أحد اعضاء المجلس، واربع مرات متعلقة بتوقيف مجلس الجهة ومرتين تتعلقان بتوقيف مجلس مجموعة الجهات.غير أن القانون التنظيمي لا يتضمن مقتضيات تهم الاسباب أو الحالات التي تستوجب التوقيف، ولا الجهة المخول لها حق التوقيف “هل هي سلطة المراقبة الادارية أو القضاء الاداري” ولا مدته ولا دوافع اللجوء اليه… وبالتالي فمسألة توقيف مجلس جهة كلميم واد نون تثير العديد من الغموض القانونية يجب توضيحها ومعرفة سياقاتها.

من المؤكد أن جهة كلميم واد نون عرفت صراعات منذ الانتخابات الجهوية الاخيرة، فهي صراعات سياسية وقبلية تسببت في توقف عجلة التنمية وأدت إلى عرقلة داخل المجلس ما دفع بالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية باصدار قرار توقيف المجلس لمدة 6 أشهر مستندة في ذلك على الفقرة الأولى من المادة 77 من القانون التنظيمي للجهات (انظر المادة الأولى من قرار التوقيف).
غير أنه لا يمكن قراءة المادة 77 بمعزل عن مقتضيات أخرى خصوصا المادة 76، ولا يمكن فهم هذه المادة دون العودة الى مشروع القانون التنظيمي قبل مناقشته ومعرفة سياق تعديل بعض مواده داخل اللجنة المختصة، فمشروع القانون التنظيمي للجهات كان يشير وبشكل صريح في المادة 76 على ان للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية امكانية اتخاذ احد الاجرائين في حالة ان استمرار اختلالات المجلس بعد مرور شهر من توجيه اعذار له للقيام بالمتعين، أو رفضه القيام بذلك، وهذين الاجرائين هما :
 توقيف المجلس لمدة ثلاثة أشهر بقرار معلل ينشر بالجريدة الرسمية
 احالة الأمر الى المحكمة الادارية من أجل حل المجلس

ثم أتت المادة 77 (كمكملة للمادة 76) لتنص على أنه إذا وقع توقيف أو حل مجلس الجهة … وجب تعيين لجنة خاصة بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية… أي كنتيجة تطبيق مقتضيات المادة 76 التي تبين اسباب التوقيف ومدته والجهة المخول لها ذلك، يتم اللجوء الى المادة 77 من اجل ضمان استمرارية المرفق العام.

وأثناء مناقشة المادة 76 أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة، أكد النواب على وجوب إسناد التوقيف للقضاء وحده، وقامت فرق الأغلبية وفرق المعارضة بإدخال تعديلات تهم المادة 76 وذلك بحذف البند المتعلق بالأجراء الأول الذي يتيح للسلطة الحكومية بالداخلية امكانية توقيف المجلس لمدة ثلاثة أشهر والاكتفاء بإجراء واحد وهو المتعلق بإحالة الأمر على المحكمة الإدارية من أجل حل المجلس، وتم التصويت على هذا التعديل بالإجماع، وتم تبرير هذا التعديل بجعل القضاء هو الحكم الفاصل بين الجهزين “المجلس وسلطة المراقبة”
غير أنه لم يتم الانتباه إلى باقي المواد التي تتضمن توقيف المجلس “كنتيجة” لمقتضيات المادة 76 ومن بينها المادة 77. ويتضح ذلك (على وجه المقارنة) في مشروع القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، فقد تم تعديل المادة 73 منه، حيث تم حذف إمكانية توقيف المجلس من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية وفي المقابل تم حذف عبارة “توقيف” في المادة 74 وتم تبرير هذا الحذف بضرورة انسجام مقتضيات المادة 74 مع المادة 73. وهذا ما أغفلته اللجنة أثناء مناقشتها وتعديلها للقانون التنظيمي للجهات.

وبالتالي فاستناد السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية إلى المادة 77 لا يتماشى مع رغبة المشرع المتمثلة في جعل القضاء الإداري هو صاحب الاختصاص في مجال التأديب سواء تعلق الأمر بحل المجالس المنتخبة أو عزل بعض الأعضاء، لهذا تم حذف إمكانية التوقيف في المادة 76 والاكتفاء بالحل لكن للأسف لم يتم تحيين باقي المواد لتحقيق الانسجام فيما بينها.
وتجدر الإشارة إلى أن القوانين التنظيمية الثلاثة المتعلقة بالجماعات الترابية تتضمن مجموعة من الثغرات والتناقضات فيما بينها، ما يستدعي تحيينها وتعديل مجموعة من مقتضياتها لتحقيق التناغم فيما بينها. ويجب أن يبدل مجهودا كبيرا على مستوى تجويد المنتوج التشريعي مستقبلا، فلا يعقل أن تتضمن قوانين تنظيمية تحتل المرتبة الثانية بعد الدستور ثغرات فادحة.

الرشدي الحسن، باحث في القانون العام