المجالس المنتخبة بين خطاب الواقع والمزايدات السياسوية، إقليم تيزنيت و سيدي إفني نموذجا

بقلم سعيد اوزبير

إن المتتبع للشأن العام بالمجالس المنتخبة يقف مذهولا حول طريقة تدبير وتسيير هذه المجالس، حيث يتم توظيف في غالب الأحيان خطابات شعبوية، مغلفة بالمزايدات السياسية بغية تصريف الأنظار عن الفشل في تدبير ملفات معينة أو كسب تعاطف الساكنة والمنتخبين على وجه الخصوص، ولعل هذا يرجع بالأساس إلى غياب سياسة واضحة لدى الأحزاب السياسية في إنتاج الفاعل السياسي القادر على تفعيل السياسات العمومية وتنزيل التوجهات العامة للدولة على أرض الواقع، فالجماعات المحلية تعتبر الميدان الحقيقي لقياس مدى تطور الدولة وتقدمها في درب تحقيق الديمقراطية والعقلانية في تدبير وتسيير الشأن العام، فمن خلال الإطلاع على القوانين التنظيمية نقف عند وجود منظومة قانونية تتجاوز بكثير عقليات أغلب “الفاعلين السياسيين” الذين يفكرون بمنطق ضيق لا يكاد يتجاوز الفترة الانتخابية المحددة في الزمن والمكان، والمشرع المغربي من خلال القانون التنظيمي 113/14 المتعلق بالجماعات المحلية، حاول تسليط الضوء على مجموعة من المناطق المظلمة في تدبير الشأن العام والإنتقال من مبدأ تدبير الأزمات إلى منطق الاستباقية والتنظير في صناعة السياسات العمومية، حيث نص المشرع على ضرورة وإلزامية إعداد برنامج عمل الجماعة وكذا ميزانية متعددة السنوات وذلك بغية القطع مع مشاريع الدقائق الأخيرة التي يتم توظيفها بشكل سياسوي في السنوات الأخيرة من صلاحية المجالس، إلا أن الهوة بين فلسفة المشرع و عقلية المنتخب تحول دون بلوغ الأهداف المنشودة، وبالرجوع للعديد من الخطابات الملكية ولا سيما الأخيرة منها سنجد أن رئيس الدولة يحاول توجيه الأحزاب السياسية إلى ضرورة إعداد النخب القادرة على الاستجابة للتطلعات والانتظارات المتزايدة للساكنة، لأن ضعف أداء الأحزاب السياسية يشكل خطرا على إستمرارية الدولة بل يزيد من نقط التماس بين المواطنين ومؤسسات الدولة، الشيء الذي يؤدي إلى تراجع الثقة في مؤسسات الدولة والمزيد من الأزمات والاحتقان الشعبي.

إن الدور الحقيقي للأحزاب السياسية، يكمن في تأطير المواطنين والمواطنات وكذا تأهيل النخة السياسية القادرة على كسب رهانات التنمية ولا ينحصر فقط في إكتساح صناديق الاقتراع والتباهي بحصد أصوات الناخبين ،لأن العولمة اليوم تفرض علينا التوفر على أطر ونخب حقيقية قادرة على الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني وحمايته من المنافسة الشرسة التي تعرفها الأسواق العالمية، ويتوجب على المغرب إعادة النظر في طريقة إنتاج السياسات العمومية وحسن إستغلال الموارد المتوفرة وعدم تضييع الفرص المتاحة ولا سيما الطاقات الشبابية، وللأسف الشديد فإننا نعيش عكس ذلك، حيث يتم إهدار الزمن التشريعي والتنموي وتم تحويل المؤسسة التشريعية والمجالس المنتخبة إلى حلبة للصراعات الحزبية الضيقة وفي كثير من الأحيان إلى حلقات البهرجة وصناعة الفرجة الشيء الذي يساهم في تبخيس عمل المؤسسات، ونحن نستحضر جيدا كيف كانت جلسات البرلمان بمثابة حلقات للمتعة والسخرية من السياسة، ويبدو أن حمى جلسات البرلمان انتقلت إلى جلسات المجالس الجماعية حيث تمارس الشعبوية في أقدح صورها، ففي إقليم تيزنيت وبالضبط جماعة الركادة خلال دورة أكتوبر 2018 للمجلس الجماعي، شاهدنا كيف لجأ رئيس المجلس الجماعي ومعه عضو بالمجلس إلى إهانة كل من أطر وزارة الصحة ووزارة التعليم وطردهم من أشغال الدورة، بل صرح أحد الأعضاء بأن الساكنة إنتخبته للقيام بالضرب على الطاولة، وهذا لدليل قاطع على غياب العقلانية في تدبير وتسيير الشأن العام من طرف أشخاص لا يعرفون حدود إختصاصاتهم و كيفية الترافع على حقوقهم المشروعة الكامنة في ضرورة توفير الدولة للخدمات الأساسية، ويبدو أن هذه الفئة تساهم في تأزيم الوضع والرفع في حجم اليأس لدى المواطنين والمواطنات، وغير بعيد عن إقليم تيزنيت وبالضبط في جماعة تنكرفا التابعة لإقليم سيدي إفني جدال سياسوي من نوع خاص بين رئيس المجلس الإقليمي وعضو بمجلس جماعة تنكرفا، وإتهامات خطيرة لرئيس المجلس الإقليمي بإختلاس الملايين الدراهم من ميزانية مخصصة للفيضانات وفي حالة عدم فتح تحقيق في الموضوع فإن من شأن ذلك فقدان ما تبقى من الثقة في المؤسسات والغريب في الأمر لغة وأسلوب ذات العضو الذي حاول إقحام إسم رئيس الدولة في سياق ومكان غير مناسب أثناء مواجهته الكلامية مع رئيس المجلس الإقليمي.

إنه من خلال الضجيج السياسي الذي نعيشه اليوم في المغرب يبدو أننا في أمس الحاجة إلى إعمال العقل وتغليب مصلحة الوطن في السجال السياسي الذي يعرفه البلاد خصوصا في ظل الظرفية الصعبة التي نعيشها اليوم والجميع مطالب بالمساهمة في ترميم السفينة بل يتوجب علينا التنافس في إبداع الحلول للأزمات وفتح باب المساهمة أمام الجميع وإلا فإننا بهذا الأسلوب الغارق في الشعبوية نساهم في التسريع في غرق السفينة.