المباركي : مشاهد من زمن كورونا…المشهد(2)

الكتابة تصالح مع لحظة الحجر الصحي وتجاوز لها في نفس الوقت…البوح ” التلقائي” استفزاز للمشاعر ” الجامدة ” لفيروس كورونا كي يخرج من جحره. سنظل نكتب ونبوح حتى تخرج من عالمنا أيها العابر “الهجين ” في دروب “عولمة ” عابرة….

مشاهد من زمن كورونا…المشهد(2)
لم يكن يتصور “عوتو ” أن يديه النحيلتين ستتعبان من الغسيل حيث كلما تفقد هاتفه النقال وفتح منصة ” الواتساب ” إلا وانهالت عليه رسائل وشرائط سمعية وبصرية تشبه غزارة الأمطار في أوج شتاء يناير، تطرح وصفات الوقاية من الوباء وخاصة غسل وتعقيم اليدين. فكانت تصيبه خيبة أمل كبيرة، أولا إزاء هاتفه الذي تشبه وتيرة تحميل رسائله سرعة السلحفاة، وثانيا القلق من هستيريا النظافة وهو المنحدر من مدرسة الرفض والتمرد على نظام الأشياء والسلط – على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو – كان من شعاراتها بل طقوسها ” الهندام الممرد المتسخ دليل المناضل”، لم يدر كيف تذكر تلك السمفونية العجيبة التي كانت تصيب الطلاب بجذبة جماعية تكاد تشبه الصلوات، سمفونية ” الله يبليك بحب الشعب حتى تلبس الدربلة …دربلة المعتقل ما يلبسها من والا “…هاهو الآن ” معتقل ” في زمن الطوارئ مهووس بتفاصيل صغيرة ومراقب حريص للمسافة الفاصلة بين يديه النحيلتين ووجهه الأبيض الذي اختفت من ملامحه كلية نقاط الجزر (poil de carotte) منذ أن أصبح الطفل الرجل…
في هذه اللحظة بالذات وهو يستحضر ما قاله ” فرويد ” الطفل أب الرجل ” ، بدا أمامه ذلك المشهد الغرائبي وهو يركض في الخلاء المقابل لمنزل والديه بالدوار وشقيقتيه الأكبر منه بسنوات عدة تطاردانه وهما تضحكان بصوت مرتفع وتصبان عليه وابل من اللعنات بأمازيغية زناسنية غنية من حيث خطاب الهجاء والعتاب ..” أيبعدود…أبورسوض ” ( أيها الصغير المتسخ ) …لن ينسى ” عوتو ” أبدا قساوة تلك ” الصخرة ” ماقبل ظهور “الكياسة ” التي كانت تمررها أخته في الحمام على ظهره النحيف البادية عظامه للملأ وتقتلع أكوام من الأوساخ الدفينة من كل أنحاء جسده المتعب وتمتد الى الرجلين واليدين المصابتان بجروح مؤلمة تسبب فيها تحالف البرد القارس وتراكم الأوساخ أو ما كان يعرف في الأوساط الشعبية ب ” الشرقي ” الذي لا يصيب غير البؤساء والمقهورين…” الشرقي ” مرض الفقراء…جسد متعب غير قابل لكل هذا التطهير ” القسري ” الذي لا تضاهيه غير حملات التعقيم الجارية للأمكنة والفضاءات في زمن ” كورونا “……
كيف ” لعوتو” الشاب الناضج، المنحدر من مدرسة ” الاستحمام دليل غير المناضل ” لما كان يجوب أسوار الجامعة وهو يوهم نفسه أنه زعيم ببذلته المثقوبة التي كانت من مصادر شهرته لأنها كانت أوسع من بنيته النحيفة ولا تغادر جسده إلا نادرا والتي يحتفظ بها الى حدود الآن في أرشيف ملابسه وكتبه الحمراء القديمة لأنه مصاب بمرض مزمن اسمه ” الحنين الى الزمن المفقود “، كيف ل “عوتو” الطفل الذي يشهد له أقرانه بالدوار مقاومته الباسلة كي لا يذهب قسرا الى الحمام مع شقيقتيه، أن يحرص الآن وهو “الموظف البورجوازي الصغير ” على التنظيف المتكرر ليديه ومراقبة المسافة الفاصلة بين اليدين والوجه تفاديا لتهديدات المخلوق المجهري الجبان “كورونا”؟، ” كورونا ليس جبانا…عوتو هو الجبان”. هكذا قال في دواخله وهو يستحضر بسخرية لاذعة كيف أنه في كل مرة وحين بعد غسل يديه بالماء والصابون وبدون وعي يلمس وجهه ويحك أنفه فيهرول مسرعا نحو الصنبور ويعيد غسل يديه !!…في هذه اللحظة بالذات ترسخت لديه قناعة ممتدة في التاريخ…إنه لا يفقه شيئا في ” نظام النظافة “…” الطفل أب الرجل “..
محمد امباركي
وجدة 29 مارس 2020