الشأن المحلي بتيزنيت، نقطة نظام ووقفة للتاريخ

بقلم سعيد اوزبير

الرسم الكاريكاتوري من صفحة رسمني بالزربة Rsamni B zarba

إن المتتبع للشأن المحلي بمدينة تيزنيت في بداية الألفية الثالثة، سيقف كثيرا عند الندوات واللقاءات التي كان حزب العدالة والتنمية ينظمها بقاعة الشيخ ماء العينين وهو في موقع المعارضة بجماعة تيزنيت، لازالت بعض الكلمات الرنانة تتغلغل في أذهاني وأنا أتابع أطوار تلك الندوات التي يؤطرها قادة الحزب أمثال لحسن الداودي، عزيز الرباح، نجيب بوليف، المقريء أبو زايد وغيرهم، أتذكر كيف يتم إدارة تلك الندوات وتعطى الكلمة للحضور لصب جم غضبهم على الأغلبية التي تتولى التسيير الجماعي، هذه الأغلبية التي تلتزم الصمت ولا تتواصل مما يعطي المعارضة شرعية لدى الساكنة التي تهج بالعشرات إلى تلك اللقاءات، لازلت أتذكر كيف تم عرض تقرير حول بعض الملاحظات لوزارة الداخلية حول المسبح البلدي، ملعب المسيرة وغيرها، وربما إن لم تخني الذاكرة التقرير صادر في سنة 2003 حول فترة ما قبل الأستاذ عبد اللطيف أعمو، وفي الولاية الأولى للأستاذ تضاعفت المعارضة وتم التطرق لمجموعة من الملفات ومن بينها الحي الصناعي، دار الثقافة و ما واكبهما من إختلالات وفق ما يتم عرضه أنداك في تلك الندوات بالإعتماد على الصور والفيديوهات لدرجة أن حزب العدالة والتنمية يقوم بتوثيق صور الأعمدة الكهربائية للإنارة العمومية المكسرة وبالوعات الصرف الصحي بدون أغطية والحفر بالطرق وغيرها لتتحول إلى مادة دسمة للإستهزاء من تسيير الأغلبية أنداك لدرجة أنه في إحدى اللقاءات حضر نائب رئيس المجلس الجماعي الأستاذ لحسن بنواري في إحدى اللقاءات وأخذ الكلمة لتقديم التوضيحات وعبارات الإستهجان والصفير لا تكاد تترك له المجال لتقديم وجهة نظره لأن الكل يعتقد أن المعارضة هي الوحيدة التي تمتلك الحقيقة والحلول لمعضلات التنمية بالمدينة لدرجة أن أحد أعضاء المعارضة قال بأن حزب العدالة والتنمية قام بنصف التواصل وعلى الأغلبية المسيرة القيام بالنصف الأخر وقال بالحرف “نحن الآن قمنا بالتو” وعلى المجلس القيام ب “اصل” لتكتمل كلمة التواصل.

أتذكر جيدا كيف يفسح المجال للمتدخلين للتعبير عن غضبهم تجاه المجلس ولازال رنين صوت رجل مسن يتغلغل في أذهاني لدرجة أنه يلوم المجلس في كل شيء، حتى في ما لا يدخل ضمن إختصاصاته، أتذكر منها تطرقه لحائط مدرسة لالة مريم الآئل للسقوط أنداك، فما أن يأخذ ذاك الرجل الكلمة إلا وتتعالى قهقهات المنظمين لتلك الندوات ومعهم الجمهور فهي بمثابة فرصة سانحة للترفيه وجلد المجلس الجماعي بل شيطنته، ورغم ذلك تقابل أحدهم في مقر الجماعة ويصافحك رغم النقد الكبير الموجه لهم، وكانت تلك المعارضة الشرسة بمثابة فرصة للأغلبية المسيرة لتدارك الهفوات وتمكن حزب التقدم والإشتراكية من إكتساح صناديق الإقتراع وكان على مرمى حجر من الحصول على الأغلبية وربما بفارق مقعد واحد ليتحالف مجددا مع حليفه في التجربة السابقة الإتحاد الإشتراكي، وخلال تلك الولاية نقصت حدة معارضة البيجيدي وإزداد الغرور لدى بعض أعضاء أحزاب الأغلبية لدرجة اعتقادهم أنهم أصحاب الفضل في تلك النتائج و أنهم من الخالدين فيها، متجاهلين الشخصية الكاريزمية للأستاذ عبد اللطيف أعمو الذي وضع التصور العام للشأن المحلي بالمدينة ودخل من أبواب عديدة وخاصة الباب الاجتماعي والثقافي، هذا دون أن ننسى “البلدوزار” الأستاذ لحسن بنواري كاسح الألغام وخط التماس مع المواطنين والذي يكتوي بلهيب الاحتجاجات اليومية للمواطنين، ولعل ما ميز هذه الفترة التي بلغت مرحلة الذروة عمل حزب العدالة والتنمية في صمت على جميع الأصعدة من أجل سحب البساط أمام الأغلبية الإشتراكية، فالحزب تفنن في اصطياد الأخطاء وحولها إلى أخطار بعدما تمكن من تكسير الشفرة وهزيمة الإشتراكين في قلاعهم وحصونهم التي طنوا أنها محصنة.

وصل حزب العدالة والتنمية إلى “دواليب الحكم” بفضل الحراك الشعبي سنة 2011 وبروز “الظاهرة البنكيرانية الصوتية” ووصلت معه معارضة ما قبل 2015 إلى تسيير الشأن المحلي بمجموعة من المدن المغربية ومنها مدينة تيزنيت حيث أرغم الحزب على الدخول في تحالف هجين تطبيقا لقولة ”مرغم أخاك لا بطل“ مع كل من التجمع الوطني والتقدم والإشتراكية وربما تم التوقيع على ميثاق بينهم ليتم توزيع النيابات بينهم، حيث تمكن حزب العدالة والتنمية من سحب قطاع التعمير من التقدم والإشتراكية أمام استغراب المتتبعين للشأن المحلي حول هذا التغيير حتى لا نقول التنازل وثمنه، المهم من هذا كله أن حزب العدالة والتنمية رقص على أنغام “هذه البداية مازال مازال” وتمكن من حصد مقعد برلماني في تشريعيات 07 أكتوبر 2016 ليدخل رئيس المجلس الجماعي إلى بر الأمان ومنذ ذلك الحين بدأت رواية “مافراسيش” التي نسجها الرئيس إعتقادا منه أنها الخلاص من المواجهة المباشرة بينه وبين فعاليات المجتمع المدني والمواطنين، وأخذت الهوة تتسع يوما بعد أخر خصوصا في ظل تواجد رئيس المجلس الجماعي بمدينة الرباط في جلسات مجلس البرلمان، وفي كثيرة من الأحيان يعتكف في مكتبه ذو الأبواب الثلاثة وكأنه جحر الفأر حيث يهرب في الباب الخلفي إذا إقتضى الأمر مواجهة مع مواطنين لهم ملفات شائكة لا يمكن حلها بالأسلوب المعتمد أيام المعارضة الكلامية، فالرئيس تعلم جيدا مقولة الفأر حول الأبواب وطبقها بمكتبه الذي تتقاطر عليه المئات من المراسلات في ظل عجز النواب عن اتخاذ القرار المناسب وربما في إطار إغراق ”دادا إبراهيم“ ودفعه للمواجهة المباشرة مع المواطنين، وفي كثير من الأحيان لا يجد الرئيس أمام أي حل فيلجأ إلى الكذب أو المناورة لكسب المزيد من الوقت وتأجيل الصراع.

إن طريقة تعامل رئيس المجلس الجماعي لمدينة تيزنيت مع مشاكل الساكنة فريدة من نوعها، محيرة للعقلاء وجديرة بالاهتمام والدراسة، لأنها طريقة جديدة ومتميزة تستمد أصالتها وعراقتها من لغة الخشب ومن قاموس “سبق الميم وارتاح” فيبدو أن الرئيس خريج المدرسة المعروفة بشعار “كم من حاجة قضيناها بتركها” والتي بنيت على أنقاض مدرسة قديمة تعود إلى زمن البوعبوع والتي اتخذت كشعار لها “ما تكول لا وما تخسر الخاطر المهم هو المنصب والكرسي”، حيث تتوالى الزلات ويسقط الرئيس عند أول درس في التسيير الديمقراطي السليم ولن ننسى ما ارتكبه من خروقات بدعم لجمعية ابحارن الفلاحية لتنظيم السقي رغم نهاية صلاحية مكتبها ولن ننسى كذلك خروقات تجديد ثلث أعضاء اللجنة المحلية وقبلها قضية جوابه عن سؤال مستشار من المعارض ورده بعبارة “ماشي شغلك”، ولعل أخر الزلات (إقرأها بالعربية أو الأمازيغية) التي وقع فيها الرئيس سرعته في التجاوب مع تصريحات السيد محمد حمسيك حول وجود ملفات فساد داخل دهاليز الجماعة التي تسلم البيجيدي مفاتيحها من حليفه في التسيير، فالرئيس على وجه السرعة خرج ببلاغ توضيحي بست نقط تجعله يرقد في الوحل حيث في النقطة الثالثة من البلاغ يقول الرئيس ” أنفي نفيا قاطعا وقوفي أو علمي أو إطلاعي على ملفات بها خروقات جسيمة من مثل ما ورد في التصريح المنسوب للمستشار الجماعي المذكور” فهذه العبارة التي إستعملها الرئيس تحمل معاني ودلالات كبيرة في علم النفس حيث يسعى إلى دفع الكرة الحارقة عنه فقط ولا يؤكد أو يكذب تصريحات المستشار وقوله “في التصريح المنسوب للمستشار المذكور” رغم وجود مقطع فيديو يوثق للكلام يدل على الخوف والإرتباك الذي تمالك الرئيس، وبتعميق البحث بين طيات البلاغ في النقطة الرابعة يقول ” العلاقة التي تجمعني بأعضاء الحزب الحليف لنا…..” لماذا إستعمل الرئيس صيغة المفرد وقال “التي تجمعني” ولم يقول “التي تجمعنا” ولماذا قال “بأعضاء الحزب الحليف لنا” علما أن حزب الإتحاد الإشتراكي المتواجد في المعارضة كان في تسيير الشأن المحلي مع حزب التقدم والإشتراكية حليف البيجيدي في التجربة الحالية، وهذه العبارة تذكرني ببعض الاستنتاجات التي نتوصل بها في لغة الجسد أثناء التعامل مع بعض الأشخاص، وفي النقطة الخامسة والسادسة من البلاغ التوضيحي عمل الرئيس على توظيف أسلوب تهريب النقاش ووقع في إرتباك وتناقض عندما حاول ربط التجربة الحالية مع التجارب السابقة في إستمراريتها وبين برنامج عمل الجماعة ولعل ما يزكي هذا عدم تفاعله مع تصريحات سابقة للمستشار رشيد المبروكي وهي تصريحات مشابهة للمستشار محمد حمسيك وبالرجوع إلى تسجيلات الفيديو يمكن لنا الوقوف عند بعض الكلمات المفتاح التي تدل على أن الرجل اطلع فعلا على ملفات بها خروقات خصوصا عندما تحدث عن السماسرة الذين يقضون أغراضهم مع بعض الموظفين بإستعمال المال وفق تعبيره، وقوله “كاين ملفات ساخنة قاتلة …” دليل على التأكد من الكلام مع عجزه في الوصول إليها وقوله “كاين ملفات لي فيها خروقات قاتلة تؤدي للحبس ولكن كيغطيو عليها..” وإضافته عبارة ” ديما كنجبدو في اللقاءات ديالنا جبدو داكشي ونشروه….” في إشارته لملفات الفساد وفق تعبيره وهذا كافي للتشكيك في مصداقية أحدهم رغم أننا نعرف مصداقية وجرأة محمد حمسيك عكس الرئيس الذي أظهر الزمن أنه كذاب، وأمام كل هذا نتسأل إلى متى ستستمر هذه المهزلة ويغيب الوضوح في تدبير جماعة تيزنيت؟