Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

السوسي محمد المختار، النازية والحلفاء، والإذاعة، أو أصوات الهامش وحرب الأثير في زمن النفي والاستعمار.

بقلم الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ

(يتبع)

من الهامش إلى التاريخ: النخب السوسية وتدوين المنفى في مغرب الحماية.

1النص بوصفه وثيقة تاريخية دقيقة بين الحوليات والميكرو-تاريخ

ينطلق هذا المقال من فرضية منهجية أساسية مفادها أن النصوص الذاتية، بما فيها اليوميات والسير والتدوينات الشخصية، لا تقل قيمة تاريخية عن الوثائق الإدارية أو الأرشيفات الرسمية، بل قد تتفوق عليها في قدرتها على الكشف عن أبعاد من التجربة الإنسانية تظل عصية على التدوين المؤسسي. هذا المنظور يجد جذوره في التحول الإبستمولوجي الذي أحدثته مدرسة الحوليات منذ النصف الأول من القرن العشرين، حين دعت، مع مارك بلوخ ولوسيان فيفر، إلى توسيع مفهوم «الوثيقة» ليشمل كل ما يصدر عن الإنسان ويعكس علاقته بزمنه ومحيطه.

فالنص موضوع الدراسة لا يُقرأ هنا بوصفه شهادة فردية معزولة أو تعبيراً أدبياً صرفاً، بل باعتباره أثراً تاريخياً كثيف الدلالة، يلتقط ما سمّته الحوليات بـ«الزمن المعيش» (le temps vécu)، أي ذلك المستوى من الزمن الذي يتشكل من اليومي، الرتيب، والمألوف، بعيداً عن صخب الأحداث الكبرى. إن هذا الزمن، رغم تواضع مظاهره، هو المجال الذي تتكوّن فيه الذهنيات، وتترسخ فيه علاقات السلطة، وتتبلور فيه تجارب الانتماء والاغتراب.

ومن هذا المنطلق، يندرج هذا العمل ضمن تقاطع منهجي بين مدرسة الحوليات والميكرو-تاريخ الإيطالي. فبينما وفّرت الحوليات الإطار العام للاهتمام بالبنيات العميقة والذهنية طويلة الأمد، جاء الميكرو-تاريخ، مع كارلو غينزبورغ وجيوفاني ليفي، ليؤكد أن تحليل حالة فردية واحدة، إذا ما أُنجز بدقة وحذر، يمكن أن يكشف عن منطق اجتماعي وسياسي أوسع. لا تُفهم الفردية هنا باعتبارها استثناءً، بل بوصفها مدخلاً كاشفاً لبنية عامة، تُرى من خلال الشقوق والتفاصيل.

إن اختيار هذا النص تحديداً نابع من كثافته الوثائقية، ومن غناه بالتفاصيل الزمنية والمكانية واللغوية، التي تتيح للمؤرخ تتبع آليات اشتغال السلطة، وتمثلات المنفى، وحدود القول والصمت، على مستوى التجربة المعيشة. فالتواريخ الدقيقة، وأسماء الأمكنة، ووصف التنقل والإقامة، ليست عناصر سردية محايدة، بل علامات تاريخية تسمح بإعادة تركيب سياق اجتماعي وإداري أوسع، دون الحاجة إلى استدعاء وثائق خارجية.

كما أن هذا النص يطرح إشكالية مركزية تتجاوز حالته الخاصة، وهي إشكالية العلاقة بين الفرد والسلطة في سياقات الإكراه غير الصريح. فالمنفى، كما يتبدى في هذا النص، لا يُمارَس عبر العنف المباشر، بل عبر تنظيم الحياة اليومية، وتدبير الزمن والمكان، وتوفير شروط مادية قد تبدو مريحة، لكنها تُخفي بنية ضبط دقيقة. هذا الشكل من السلطة، الذي يمكن وصفه بالسلطة الناعمة أو الإدارية، يشكل مجالاً خصباً للتحليل التاريخي، خاصة عندما يُقارب من زاوية الأثر لا القرار.

وعليه، يسعى هذا المقال إلى قراءة النص بوصفه فضاءً تتقاطع فيه السيميولوجيا بالسرد، والتفكيك بالتاريخ الاجتماعي، دون الخروج عن منطق النص ذاته. فالغاية ليست إسقاط نماذج نظرية جاهزة، بل اختبار قدرتها التفسيرية من داخل المادة النصية نفسها. ومن خلال هذه المقاربة، يأمل العمل في الإسهام في نقاش أوسع حول إمكانات كتابة تاريخ المنفى، وتاريخ الذهنيات، اعتماداً على نصوص تبدو هامشية، لكنها في العمق تحمل مفاتيح فهم تحولات تاريخية أعمق.

2. الزمن والمكان بين السيميولوجيا والتاريخ الاجتماعي (مدرسة الحوليات)

يحتل الزمن والمكان موقعاً مركزياً في بنية هذا النص، لا باعتبارهما إطارين محايدين للأحداث، بل بوصفهما عنصرين فاعلين في تشكيل التجربة التاريخية ذاتها. ومن منظور مدرسة الحوليات، لا يمكن التعامل مع الزمن على أنه مجرد تعاقب خطي للأيام والسنوات، بل باعتباره بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات متعددة: زمن الحدث، وزمن الحياة اليومية، والزمن الطويل للذهنيات. هذا التصور يسمح بقراءة العلامات الزمنية في النص بوصفها مؤشرات على تحولات عميقة في علاقة الفرد بزمنه.

إن حضور التواريخ الدقيقة وفق التقويم الهجري (28 ذي الحجة 1355هـ، 3 محرم 1356هـ) يتجاوز وظيفة التوثيق، ليحمل دلالة رمزية قوية. فالانتقال من نهاية سنة إلى بداية أخرى يُشكّل، في المخيال الإسلامي والاجتماعي، لحظة عبور وقطيعة في آن واحد. وبهذا المعنى، يصبح التاريخ علامة على انكسار في المسار الشخصي، لا مجرد تحديد زمني. هذا ما يجعل الزمن في النص زمناً مجروحاً، يتحدد بالانفصال أكثر مما يتحدد بالاستمرارية.

ويتعزز هذا البعد عبر تكرار الإحالة إلى أيام الأسبوع: الخميس، الجمعة، السبت. إن هذا التعداد لا يخدم السرد فقط، بل يخلق إيقاعاً زمنياً رتيباً يعكس خضوع الذات لإيقاع مفروض. في منظور الحوليات، يشكّل هذا الزمن اليومي أحد أهم مفاتيح فهم تشكّل الذهنيات، لأنه زمن بطيء، متكرر، يرسّخ الإحساس بالانتظار واللاحدث. هنا، يتحول الزمن إلى أداة ضبط غير مرئية، تُمارس سلطتها عبر التكرار لا عبر الصدمة.

أما المكان، فيُقدَّم في النص من خلال ثنائية واضحة بين موطن حميم ومكان منفى غامض. فمراكش لا تظهر فقط كمدينة، بل كفضاء ذاكرة، ومرجع للهوية والاستقرار. في المقابل، يُشار إلى مكان المنفى بترميز لغوي «(الغ)»، ما يحوّله إلى علامة أكثر منه اسماً جغرافياً. هذا الاختيار الأسلوبي ينسجم مع ما تسميه الأنثروبولوجيا التاريخية بـ«اللامكان»، أي الفضاء الذي يُفرغ من دلالاته الرمزية ويُختزل في وظيفته الإدارية.

وتكتسب الأمكنة الجزئية داخل فضاء المنفى أهمية خاصة: دار الضيافة، السرير، الفراش، الغناء. هذه العناصر، رغم طابعها المادي البسيط، تؤدي وظيفة تاريخية مزدوجة. فمن جهة، تشير إلى مستوى معين من العناية والتنظيم، ومن جهة أخرى، تكشف عن محاولة تعويض رمزي عن فقدان الحرية. في هذا السياق، لا يُفهم المكان بوصفه مجالاً للسكن فقط، بل كأداة لإعادة تشكيل التجربة، حيث تُستبدل القسوة بالراحة، دون أن يُلغى الإكراه.

إن قراءة الزمن والمكان بهذه الطريقة تسمح بدمج المقاربة السيميولوجية، التي تهتم بالعلامة والدلالة، مع التاريخ الاجتماعي، الذي يركز على التجربة المعيشة. فالتواريخ والأمكنة لا تُقرأ بوصفها معطيات خارجية، بل كعناصر تُنتج المعنى داخل النص، وتعكس في الآن نفسه بنى تاريخية أوسع. وبهذا، يتحول النص إلى فضاء تتقاطع فيه العلامة اللغوية مع الزمن الاجتماعي، والمكان السردي مع الجغرافيا السلطوية، بما يجعل تحليل الزمن والمكان مدخلاً أساسياً لفهم منطق المنفى كما يتجسد في التجربة الفردية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.