الامازيغية واعادة التوازن للشخصية المغربية

كشفت صور التظاهرة التضامنية مع فلسطين يوم الاحد المنصرم، والتي دعت إليها تنظيمات إسلاموية وآخر فلول تنظيمات القومية العربية بأصنافها المتعددة البعثية والناصرية والقذافية والصدامية…كشفت عن حقيقة تاريخية واجتماعية تتميز بها الكينونة المغربية والمغاربية بصفة عامة . إنها مرتكزات الشخصية المغربية التي أصبحت تسترجع قوتها واستقلاليتها وتميزها وتفردها، شخصية المغرب البلد الافريقي المتميز عن المشرق .

قضية استقلال المغرب عن المشرق سياسيا وثقافيا واجتماعيا هي قضية تاريخية صرفة، تباحث بشأنها مؤرخون كبار وعلماء الثقافاتوالحضاراات في العالم المتوسطي. منذ دخول الاسلام الى بلاد الامازيغ حاول العرب ادماجه كطرف من أطراف الخلافة الاسلامية من دمشق ثم بغداد ..لكن بعد ممارسات الاستعباد والعنف والجور التي كان يمارسها ولاة الخلفاء على الامازيغ …تفتق الوعي مبكرا باندلاع ثورات وحركات استقلالية أسفرت عن قيام دول امازيغية معتنقة مذاهب الخوارج الذي لا يشترط النسب القريشي في الخلافة والامارة…وظهرت امارات الرستمية والصفرية والاباضية والبورغواطية ..وتم تتويج هذا المسار بتأسيس امبراطورية أمازيغية كبيرة شملت كل بلاد المغرب والاندلس…بداية بالمرابطين والموحدين وبني مرين..وهي على التوالي عصبيات صنهاجة ومصمودة وزناتة..واكتملت بذلك الشخصية المغربية التي نافست المشرق في كل شيء بدءا بالموقف السياسي ثم بحركة التأليف والاجتهاد الفكري في شتى حقول المعرفة والفلسفة والعلوم والمنطق والتصوف والتاريخ وكل شيء . وتفرد المغرب بمميزات كثيرة فيما يخص الذكاء والعقلانية والتطور والاجتهاد الديني والمذهبي وانكس كل ذلك على التقنيات والعقليات والعمران والحضارة بشكل عام. بالرغم من محاولات الاجهاض والتشويش التي تعرض لها التراكم المغربي والمغاربي خاصة من قبل الفاطميين الذي عاقبوا تونس الرستمية بسبب هذه الاستقلالية وقاموا بارسال أولى موجات البدو عقابا لهم.

للاسف عاد نفس المنطق الاستغلالي والتشويش الثقافي بعد مرحلة مايسمى بالفترة الكولونيالية أو موجة الاستعمار التي عرفها العالم بداية القرن العشرون ، وأسفرت هذه المرحلة عن ظهور تيارات القومية العربية التي بدأت بدعم من دول استعمارية لطرد وقنبلة الوجود التركي العثماني في الشرق الاوسط ابتداء من النصف الثاني من القرن 19 (أنظر مقالة محمد شفيق حول هذا الصدد) فكر القومية العربية الذي نظر له في البداية مفكرون مسيحيون ينبني على تجميع ما يسمى بالعرب عن طريق عقيدة قومية جارفة تشبه إلى حد بعيد فكر النازية الذي يتأسس على العرقية ….وتذويب الهويات والثقافات الاخرى عنوة على شكل التصفية العرقية وتشييع وهم الانتماء العربي…..هذا الفكر لقي نجاحا باهرا بعد الاستقلالات وتزامن مع الصراع الفليسطيني الاسرائلي وصعود قومية عبدالناصر والقذافي وصدام وحزب البعث العبثي ….واستغل تلك الظروف لتدويخ العقول ودغدغة عواطف الجماهير …وكانت دائما قضية فلسطين هي وقود هذه الحساسية الايديولوجية لايهام الناس باستمرار المقاومة و”الوحدة العربية “..

كان الشعب المغربي ضحية هذا الصراع وهذا الفكر القومي الذي استقطب النخبة المثقفة وقام باستدراج الشباب في الستينات والسبعينات وتدريسهم في دمشق وبغداد وفلسطين ولبنان وتدريبهم على السلاح عبر منح دراسية …وبعد ذلك تم تفريغهم في الاحزاب السياسية وخاصة اليسارية …أكثر من ذلك ذهب هيجان بعض الزعماء الفكر القومي إلى استقطاب شباب ينتمي إلى الاقاليم الجنوبية بالصحراء وتأسيس ما يسمى بالجمهورية العربية …ولعب القذافي وآخرون في الجزائر دورا خسيسا في قنبلة المغرب من الداخل على اعتبار أنه يشكل أكثر البلدان في شمال افريقيا أمازيغية عددا وثقافة ومجتمعا …
إن ما كان يربو إليه القذافي ودعاة القومية العربية وأتباع فلسطين ليس هو اسقاط الملكية فحسب وانما أيضا تقزيم المغرب الذي ينتشر في الامازيغ والامازيغية بشكل ملفت في كل مناطقه وتشكيل كيان عربي على صحراء أمازيغية وفصل أمازيغ المغرب عن اأمازيغ وأمازيغ صنهاجة لما له من رمزية سياسية لذى القوميين العرب في فصل مراكش عن تينبوكتو وقطع شرايين علاقة فاس بشنكيط…

الحسن الثاني فهم هذا كله وأدرك أن القلاقل التي تأتي من القومية العربية التي تستغل قضية فلسطين لا تنتهي ولن تنتهي وخرج علنا لمواجهتهم تارة واحتوائهم تارة أخرى ليقطع شوكتهم من الجذر..
في أثناء كل هذا تولدت حركة أمازيغية سلمية وعقلانية تدعو بهدوء وتدرج إلى ضرورة الاهتمام بهوية المغرب كوطن ثقافي ذو شخصية حضارية ضاربة في التاريخ تنتمي إلى وطن جامع هو شمال افريقيا …مع مرور الوقت تغتنم الامازيغية فرص الهزائم التي تتكبدها القومية العربية في عقر دارها بدءا باندحار عبدالناصر وقوة اسرائيل وقبول بالامر الواقع ثم بضربات حرب الخليج الاولى وانكمش دعاة القومية وآمنوا بقدرهم بعد سقوط أقنعة الوهم الايديولوجي ..وتوقف الدعم البيترولي للانصار والمثقفين والاتباع..

فيما ينتشر الوعي الامازيغي في الجزائر والمغرب ومالي والنيجر وليبيا والخارج…وعي ثقافي لا يدعو إلى احتلال مصر أو دمشق أو تدمير أسوار بغداد …وعي مبني على خطاب واضح يدعو إلى صيانة الهوية الامازيغية والثقافة المغربية المبنية على التنوع لا على الاحادية والتمييز …خطاب الحركة الامازيغية يريد نشر المساواة يسعى إلى استرجاع نبوغ المغاربة والاعتزاز بتاريخهم والافتخار بمجدهم والشعور بالفخر لانهم مغاربة ينتمون إلى افريقيا.
انتشرت الجمعيات الثقافية الامازيغية في كل بقاع المغرب والجزائر والدياسبورا وفي كل بقاع العالم ..تدعو إلى السلم والحب والحياة….تحمل رسالة امازيغية شمال افريقيا وتفرد شخصيتها وخصوصية ثقافتها وتاريخها.

عبر عقود بدأ المغاربة يقتنعون بذواتهم ويزدادون تعلقا بثقافتهم وتاريخهم ويتخلصون من أوهام القومية العربية بشكل تدريجي وذلك بفضل تضحيات الحركة الامازيغية وتدافعها الحضاري واجتهادها الفكري والسياسي والادبي والفني في الدفاع عن هوية المغرب وحمايته من كل أشكال التطرف البعثي القومي والوهابي المنغلق …
الحركة الامازيغية هي التي جعلت المغاربة يركزون على همومهم ومشاغلهم اليومية ومشاكلهم مع ارتفاع الاسعار ومحاربة الفقر والغلاء الفاحش ويتحمسون لجودة تعليم أبنائهم …الامازيغية هي التي نبهت المغاربة إلى ضرورة تقسيم الثروة والموارد من معادن وفوسفاط وسمك وماء وغابات بشكل عادل ….هي التي جعلتهم يصرفون النظر عن مشاكل شعوب واوطان بعيدة عنهم …يتضامنون معها ولكن ليس على حساب مصالحهم وحقوقهم …هنا انكسر عود القوميون والاسلامويون الذين يستغلون المغاربة ويخرجوهم إلى الشوارع ويقبضون هم اموال البيترول والغاز

ع. بوشطارت