احمد بوزيد : يقدم عبد الخلاق كلاب نفسه ذاتا تهدم الأوثان، إنه في الحقيقة يقدم نفسه نبيا، يستأنف حربا رمزية ضد “أوثان” سماها باسم “أوثان السلفية التاريخية”!!!
يقدم عبد الخلاق كلاب نفسه ذاتا تهدم الأوثان، إنه في الحقيقة يقدم نفسه نبيا، يستأنف حربا رمزية ضد “أوثان” سماها باسم “أوثان السلفية التاريخية”، فبأي معنى، تكون للسلفية أوثان، وهي التي تنصب نفسها، نقيضا للوثنية، وإن كانت تخترق طقوسيتها القدسية كما في القربان الأضحوي على سبيل التمثيل، وبأي معنى يستبطن مثقف هذا الإصرار الذي يطوق هذه النزعة، التي تقدم الماضي في صورة منسجمة، وتجعله ملكا خاصا بها، وتدعي أن سلفها سواء، فتحوز كل ذلك المتعدد، وتصهره بحجب ما كتبه سلف غبن حقه، من أعلامه السهرودي وابن عربي ورابعة العدوية، الكندي والفاربي وابن سينا، أنساب أرسطو، والقلق على ريح المتنبي، ورهين المحبسين الذي هتف في اللاذقية “يا ليت شعري ما الصحيح”، والحسن بن هانئ الملقب بأبي نواس الذي عدل عن الطلل المحيل وهوى النعي وقبلهم بقرون عروة بن الورد…. وكلهم من السلف، الذي نأنس نحن الخلف بهم.
في تصدير النص الموازي لكتابه “أوثان السلفية التاريخية”، يعد عمله ثمرة خلوة، إنه يريد أن يجعل المتلقي تحت سطوة الخطاطات الثقافية التي بنينت سيرة الأنبياء، والتي تتحقق فيها الولادة الرمزية، لم يكن عبد الخالق كلاب قد عاش خلوة كما يزعم، فقد ظل حاضرا في الفيسبوك على الدوام، أحد المقيمين الدائمين تحت هذه الجدران.
كنت أعتقد أن السيد عبد الخالق كلاب يعني بالأوثان البنيات والتصورات التي تنظم رؤية ما إلى التاريخ والمجتمع، والحفر الأركيولوجي الاختراقي في قطاعات المتخيل التي يفترض أنها تشتغل في تلك الكتابات التاريخية وفي علاقات القوة المشاكلة للمعرفة. مفترضا أن مقتضيات العتبات النصية كالعنونة، اقتضت الاشتغال البلاغي على صوغ عنوان جاذب وهي مسلكية لها مقبوليتها، حتى كتب أن أزايكو من “الأوثان” فتبين لي أن الرجل أبعد من روية المعرفة وحصافتها ونبل خلقها، وتذكرت أن أزايكو لو قيض أن يوجد بيننا لاكتفى بالصمت عن دفع جريرة الرجل، لانعدام شرط التناسب وعدول الكلام عن الأفكار إلى غيرها، وتذكرت ما قاله مؤلف حفريات المعرفة ميشيل فوكو، “أنا لست نبيا، وظيفتي هي بناء النوافذ حيث هناك جدار” وأزايكو لم يفعل غير أن يشق في الجدران، نوافذ، يتملى منها المغرب المتعدد، وطروس الذاكرة ومدونات الرحلات السابقة وأسرار أسماء الأعلام واستعارات السلالة مؤمنا أن المعرفة ضرب من الإعمار الرمزي للوجود. تلك الجدران، التي خبرها، حقيقة ومجازا، والتي اخترقها بخيال شعري وبعين البصيرة المنسابة ببديع الصور ودقيق المعاني من الموشوم في أعماله الشعرية، في خلوة اضطرارية، خرج منها حرا، كما يليق بمن يشق في الجدران النوافذ، طائرا حرا وروحا أبدية الألم.